قد تبدو العمليات العسكرية التي نفذتها فرنسا في مالي، من بعيد، وكأنها محاولة أخرى من جانب قوة أوروبية لإنقاذ مستعمرة أفريقية سابقة من قوة متمردة، واستعادة الديمقراطية.

إلا أن الأمر مختلف هذه المرة. فالمتمردون في شمال مالي هم عبارة عن متشددين متحالفين مع تنظيم القاعدة. وهم يسيطرون على منطقة تكاد تضاهي أفغانستان في المساحة، ويمكن أن تصبح ملاذاً لتدريب الإرهابيين من جميع أنحاء العالم.

وأخيراً، عندما تقدم المتمردون بشكل مفاجئ نحو عاصمة مالي، أرسلت فرنسا طائرات مقاتلة وقوات بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من حلفاء "ناتو". ويدور السؤال المطروح الآن حول ما إذا كان ينبغي إيقاع الهزيمة بالجماعتين المتمردتين، وهما "أنصار الدين" و"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، أو احتوائهما.

وليس الخيار سهلاً. ولكن بعد كل معاناة الغرب مع القاعدة أو التنظيمات التابعة لها في أفغانستان، واليمن، وبلاد أخرى، فإن أفضل خيار في الوقت الراهن يجب أن يكون الاحتواء.

ولا يرجع هذا إلى ما يعاني منه الغرب من إعياء من الحروب ومشكلات في الميزانية فحسب. فقد نفرت أفعال المتشددين المستخدمين للعنف، منذ أحداث 11 سبتمبر، الغالبية العظمى من المسلمين.

وقد زرع تصور القاعدة للحكومة الثيوقراطية القاسية التي تشمل قمع النساء وإنزال العقوبات الوحشية بحق مرتكبي المخالفات الاجتماعية بذور فناء هذا التنظيم.

وشأن الشيوعية السوفييتية تماماً، فإن التشدد العنيف يمكن أن ينهار عندما يتم احتواؤه. فهو يعتمد على أيديولوجية لا تستند على أمل البشرية في الحرية والحقوق الفردية.

وينبغي لأي استراتيجية متبعة في مالي لاحتواء تنظيمي "أنصار الدين" و"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" أن تعتمد أولاً على حقيقة أن المسلمين هناك يتسمون بالاعتدال، ويرفضون أي صورة متطرفة مشوهة للإسلام.

وكما حدث أخيراً في الصومال، فإنه يجب مساعدة شعب مالي في وضع المتمردين في موقف دفاعي. وينبغي للبلدان الأفريقية المجاورة، التي يهدد تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" العديد منها، أن ترسل قواتها عما قريب لتتسلم زمام المسؤولية من الفرنسيين. ولا ينبغي لوجود الغرب في مالي أن يكون ظاهراً إلى درجة تعطي تنظيم القاعدة فرصة لتجنيد المزيد من الأتباع.

ولا ينبغي للغرب كذلك أن يخشى هذا التفشي الأخير للإرهاب بقدر ما ينبغي له أن يساعده على أن ينهار على نفسه. ويتطلب هذا صبراً ومثابرة لمساعدة مالي على بناء قواتها والتعافي من انقلاب شهدته أخيراً. فالحركة الانفصالية التي شكلها الطوارق في الشمال يجب أن يحسم أمرها في أسرع وقت، نظراً لأن إحدى جماعات متمردي الطوارق متحالفة مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

ويبحث المتشددون عن الدول الإسلامية الضعيفة التي تترك مساحات كبيرة من أراضيها من دون حراسة. ولكن بمجرد حصولهم على موطئ قدم، تظهر أساليبهم التدميرية. وقد ترد الدول على ذلك بعمليات عسكرية محدودة وغيرها من تكتيكات الردع. وقد لا تنجح دائماً. إذ كانت للحرب الباردة إخفاقاتها وانتصاراتها التي تحققت بشق الأنفس.

تعتبر مالي أحدث نقطة ساخنة لاختبار قابلية التشدد للاستمرار. وقد أصبح العالم يدرك الآن أن أساليب تنظيم القاعدة لا تحظى بشعبية كبيرة. ويتعين إثبات ذلك في مالي، قبل أن يعزز تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" تصوره لخلافة تمتد عبر شمال أفريقيا.