يثقل عبء التاريخ كاهل روسيا، ويُعد مدى الميل في تفسير الشؤون الحالية عبر عدسة التجربة السابقة، أمرا مدهشا وذا دلالة، وغالبا قد يكون المنظور العائد إلى مدة بعيدة، طويلا بالفعل، ومن المحتمل أن يكون هذا السبب مشكلا تكمن فيه خطورة أن العيش في التاريخ قد ينتج استحواذا كاملا على العقل.
بحيث يتدخل في اتخاذ القرارات الحالية. وتركز النظريات الاقتصادية لـ"مسار الاعتماد"، على حالات يتم البحث فيها عن حلول للمشكلات الحالية، بحيث تكون رهينة قرارات تم اتخاذها في الماضي، وتتراوح من خيارات التكنولوجيا وصولا إلى الموقع المكاني، حيث تشير النظريات إلى أن البدائل الأفضل موجودة، ولكن لا يمكن بلوغها.
ويقتضي صنع حالة مشابهة للتطورات الاجتماعية والاقتصادية، إثبات أن الإصلاحات وسياسة التدخلات النفعية الموجودة، أمور تخطر أو تشوه من خلال القيم والمعتقدات والتوقعات التي تم حسمها تاريخيا. وبينما تعد هذه الحالة معقدة ومثيرة للجدل على حد سواء، تشير الدلائل إلى أن عناء محاولات الإصلاحات الروسية لا يمكن تفسيره من دون الرجوع إلى الماضي.
وتظهر نظرة خاطفة على التاريخ الروسي، أن أنماطا مؤسسية معينة تميل إلى التكرار عبر الزمن. وبفواصل منتظمة، هنالك محاولات للانفصال عن الماضي، ولكن لم تنتج هذه المحاولات، حتى الآن، سوى حركة إصلاح متذبذبة وبارزة للغاية، ما بين الترميم أو الإصلاح.
والسمة الأساسية للأنماط المتكررة بشكل مستمر، هي سمة الحكومة غير الخاضعة للمساءلة. وقد تم استخدام العديد من التسميات التي تراوحت من الاستبدادية إلى الدكتاتورية، ووصولا إلى الحالية المسماة "الديمقراطية ذات الصفات"، وذلك لوصف وضع الحكومة الروسية المميز والقابل للجدل. وخلاصة القول، بعيدا عن التسميات، إن الحكام يدركون عدم وجود قيود حقيقية على ممارستهم للسلطة.
كان هناك في إمبراطورية روسيا تقنين لكون الإمبراطور خاضعا لمساءلة الرب فقط، وبقيت قيادة الحزب الشيوعي فوق القانون خلال العصر السوفييتي. وفي روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تم إدخال المؤسسات الرسمية للمساءلة الشكلية، مما مهد الطريق للحكم الديمقراطي. لكن كما توضح الأحداث الحالية، ما زال جوهر المساءلة الفعلية ناقصا.
وتقتضي الحكومة غير القابلة للمساءلة بدورها، أن لا تكون لدى الأفراد فيها حقوق يمكن فرضها. وعلم التاريخ الروسي متخم بالإيضاحات المتعلقة بفشل روسيا في محاكاة الدرس الأساسي للأسلاف من المشرعين الرومانيين، كما يطلق عليهم، حيث إن هنالك حداً يجب أن يوضع بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد في الملكية.
إن قمع حقوق الأفراد أمر أساسي للمحافظة على السلطة غير الخاضعة للمساءلة، ويجب أن يفهم أبناء الشعب الروسي أنهم لا يملكون حقوقا قابلة للفرض ضد الحاكم، ويفضل أن يكونوا مقتنعين بأن هذا أمر عادل وشرعي معا.
والعواقب بالنسبة للأداء الاقتصادي كبيرة، فاقتصاد السوق المعتمد على قواعد، وبشكل صارم، يقوم على الفرض من قبل حكومة للحقوق والالتزامات التعاقدية. وإذا فشل هذا الأمر، فستضطر الجهات الاقتصادية بدلا من ذلك، لتأمين عقودها الخاصة من خلال الوسائل غير الرسمية. ويعني هذا استثمار المهارات في أداء ألعاب النفوذ، ومن جديد فإن السجل التاريخي يوحي بالكثير.
كان النبلاء الروس في دوقية موسكو مهووسين بمكانتهم في المجتمع، حيث شكل "جدول المراتب" الذي قدمه بطرس الأكبر، نمطا لسيطرة الدولة على التعيينات، واستمر ذلك في التعيينات السوفييتية سيئة الصيت.