ترسم التقارير الأخيرة من داخل سوريا، صورة قاتمة على كلا الجانبين. ففي حلب، تبقى المعارضة المسلحة للرئيس السوري بشار الأسد منقسمة كعهدها، وتنتشر عمليات النهب، وتتزايد التناحرات. وفي دمشق، يستمر وضع الأسد وأعوانه في التدهور.

 ويشير بعض التقارير إلى أن الرئيس السوري نفسه بات "معزولا وخائفا"، وغير مرئي تقريبا، وغير راغب في المجازفة في الخارج. وعلاوة على ذلك، فإن قدرة القوات الأقرب إليه على القيام بعمليات، آخذة في الانخفاض، في الوقت الذي تبدو روسيا سائرة نحو النأي بنفسها عن الأسد، إن لم يكن عن سوريا برمتها.

وفي جميع الاحتمالات، يبدو التوصل إلى نهاية ما للنظام السوري أمرا حتميا، إن لم يكن على الفور ففي المستقبل غير البعيد. والسؤال المطروح: ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ وفي حين أن الرغبة في التنبؤ والتخمين تشكل جزءا لا يتجزأ من طبيعتنا، وخصوصا من طبيعة الصحافيين والمحللين، فإنه ليس من المستبعد أن نخطئ بشدة.

وغالبا ما تكون الأدوات الأكثر استخداما في محاولة تفسير المواقف المعقدة كالصراعات، بما في ذلك الميل إلى التشبيه التاريخي لتفسير الأحداث الجارية، مضللة إلى حد كبير.

فلا يمكننا معرفة ما إذا كانت سوريا ما بعد الاسد، مع توتراتها الاجتماعية والطائفية المحددة، ستشبه ليبيا ما بعد القذافي أو عراق ما بعد صدام. فجميع الصراعات وجميع حالات ما بعد الصراع تتسم بالتعاسة وعدام الاستقرار، بطريقتها الخاصة.

ولا يتمثل ما يمكننا قوله عن الربيع العربي في ما قد نصل إليه، وإنما ما نحن عنده الآن؛ فنحن في خضم عملية إعادة تشكيل كبرى، لجميع الافتراضات الإقليمية التي ظلت قائمة لما يقرب من جيل.

وبالفعل، فقد بدأ المتشائمون في الحديث عن "شتاء عربي"، وهو تعبير ربما يضاهي في خلوه من المعنى، تسمية الربيع الأصلية.

ولكن، وكما أكدت العالمة السياسية الأميركية شيري بيرمان مؤخرا، فقد يكون ذلك التشاؤم في غير محله، فقد كانت إحدى السمات المميزة لجميع موجات الديمقراطية التي شهدها القرن العشرون، هي أنها أتبعت "بتيار تحتي، صاحبه تشكيك واسع النطاق في جدوى، بل ومرغوبية، الحكم الديمقراطي في المناطق المعنية".

وتتمثل القضية الأخيرة، وربما الأكثر غموضا حتى الآن، في الطريقة التي قد تؤثر بها هذه التغييرات على إسرائيل، التي تبدو بالفعل رافضة تماما لعملية السلام، ومتوترة على نحو متزايد بشأن جاراتها.

لقد اختبرت الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين، إلى درجة التداعي، سلسلة من النماذج التفسيرية.

وفي الواقع، فقد بدت حجج العديد من التدخليين الليبراليين، و"واقعيي" السياسة الخارجية، ومناهضي الإمبريالية، سطحية بالتساوي حين تمت مواجهتها بالحقائق الجديدة. وإذا كان من البديهي في الأوساط العسكرية أن يكون "القادة العسكريون على استعداد دائم لخوض الحرب الأخيرة"، فإن ذلك ينطبق أيضا على دوائر السياسة الخارجية.

وإذا كان هناك درس شامل واحد يلقننا إياه الربيع العربي، فهو أننا ينبغي أن نكون متيقظين للحاضر وتحدياته، وغير مقيدين بنظريات الماضي أو بأفكار مستقبل لا يمكننا معرفته.