يصور التمرير المستعصي لدستور مصر في مرحلة ما بعد الرئيس السابق حسني مبارك، بنسبة موافقة وصلت 63.8%، الكثير من الصعوبات والمشكلات التي تواجه هذا البلد الأكبر بين الدول العربية، في هذه المرحلة من تاريخه. وجماعة الإخوان المسلمين، بعد أن بقيت طويلا في الظلال، لا يبدو أن قادتها قد تعودوا على ممارسة السلطة بعد.
وفي الوقت الحالي، ينقسم أبناء مصر انقساما واضحا، بين المصلحين العلمانيين ذوي التوجه الليبرالي، وأولئك الذين يتسمون بأنهم أكثر توجها إلى الجانب الديني وأكثر تطلعا إلى الداخل.
ويشير المراقبون السياسيون والاقتصاديون على السواء، إلى أن التقدم السياسي الذي أحرزته مصر لم تقابله تحسينات في الاقتصاد، وإنما حدث العكس. فمع الانخفاض الكبير في السياحة والنشاط الاقتصادي بصفة عامة، لن يكون بوسع حكام مصر اليوم شراء ذمم الناخبين، حتى لو أرادوا ذلك.
وربما يعكس الإقبال المحدود على المشاركة في الاستفتاء على الدستور، وهو الاستفتاء الذي لم يشارك فيه إلا نحو ثلث من يحق لهم الاقتراع، الشعور بالضيق والإعياء المتزايدين في صفوف المقترعين، الذين كان الإدلاء بأصواتهم في وقت من الأوقات شيئا جديدا وغير مألوف.
وكانت الحقيقة القائلة إن الاستفتاء قد تم إجراؤه في عطلتي أسبوع متواليتين، نتيجة مباشرة لسياسات جماعة الإخوان المسلمين غير المتسمة بالكفاءة. وقد تركت قرارات الرئيس المصري محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، بالحصول على سلطات جديدة واسعة النطاق بمقتضى إعلان دستوري في مرحلة ما قبل الانتخابات مباشرة، عددا محدودا من القضاة الراغبين في الإشراف على الاستفتاء.
غير أنه بعد قول هذا كله، يبدو من الإغراق في التشاؤم التركيز فقط على مسار مصر المضطرب في الشهور القليلة الماضية. فلم ينقض سوى عامان فحسب على إجبار الرئيس المصري السابق حسني مبارك على الخروج من سدة السلطة، من خلال ثورة شعبية تمركزت في ميدان التحرير.
والجيش المصري، رغم المخاوف التي دارت حول أنه قد يميل إلى إعادة انتزاع السلطة التي سبق له التمتع بها، لم يقم بذلك، والناخبون تم تسجيلهم في قواعد بيانات، والانتخابات أجريت في موعدها بشكل تقريبي، والانتهاكات في العمليات الانتخابية لم تكن من الشمول بحيث تنتزع مصداقية العملية بأسرها، وإنما كان هناك شيء يشبه الحياة السياسية الحقيقية، يشق طريقه إلى التطور منتظما.
وبينما تعرب المعارضة عن مخاوفها المعقولة والمنطقية إزاء الدستور الجديد، حيث تخشى ألا تكون هناك ضمانات كافية لحقوق النساء والأقليات الدينية، فإن مرسي محق أيضا في الإصرار على أن المرحلة المقبلة من تطور مصر الديمقراطي - أي الانتخابات البرلمانية - ينبغي أن تمضي قدما حسبما هو مقرر لها.