ليس كافياً أن نشعر بالأسف حيال موجة الهجمات المميتة التي ضربت، وتضرب، الكثير من المدن والقرى العراقية، والتي أسفرت عن سقوط المئات من الضحايا، بين قتيل أو مصاب. بل يجب فعل المزيد لتقصي السبب الجذري لمحنة الشعب العراقي اليوم، ولمنع واقع العنف في العراق من أن يعيد نفسه في أماكن أخرى.

لقد كانت الخسائر الفادحة الأخيرة، نتيجة لاحتدام التوتر بين الحكومة المركزية العراقية والأقلية الكردية على المناطق المتنازع عليها، وبسبب العنف بين الطوائف المختلفة، حيث إن المأساة هي نموذج مصغر للحياة اليومية لدول الشرق الأوسط.

وفي الواقع، لم يمر يوم واحد على العراق من دون صدامات وسفكٍ للدماء، منذ الانسحاب الأميركي في 18 ديسمبر 2011. فقد أصبحت البلاد أكثر انغماسا في التأزم السياسي والعنف العرقي والخلافات الطائفية، رغم وعود المسؤولين الأميركيين بالحكم الذاتي والأمن والاستقرار.

على الولايات المتحدة مسؤوليات لا يمكنها التهرب منها بالنسبة لتدهور الوضع الأمني في العراق، حيث هي مدينة للشعب العراقي بتفسير مقنع لسبب ترك البلاد في وضع فوضوي أكثر من أي وقت مضى، وذلك بعد أن زعمت، بعد عام واحد، انتصارها على الحرب ضد الإرهاب، إلى جانب أسباب عدم وفائها بوعودها للبلاد حتى الآن.

ومع ذلك، هناك ما يكفي من الأدلة لإظهار أنه ما زال يتعين على الولايات المتحدة أن تتعلم درساً من العراق، وأنه لم تكن هناك محاسبة للنفس حول سياستها في المنطقة. وفي المقابل، يُنظر إلى قرار "الناتو" بنشر صواريخ باتريوت في تركيا أخيراً، وإلى اعتراف الولايات المتحدة بجماعة المعارضة الرئيسية السورية، على أنهما من ضمن خطوات تمهد الطريق للتدخل العسكري في سوريا.

لنأخذ بعين الاعتبار أن الأزمة في سوريا الممتدة منذ حوالي 21 شهراً، تحمل في طياتها كل الرموز التي تشير إلى أنها حرب أهلية، حيث سلب تصاعد الصدامات بين الحكومة السورية وقوات المعارضة، حياة أكثر من 40 ألف سوري. ومع ذلك، فإن الجهود الدولية لوقف العنف والدفع في اتجاه الحوار والمفاوضات بين الأطراف المتحاربة في سوريا، لم تحقق نتائج تذكر حتى الآن. ولم تتخلّ الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة، عن محاولاتها في المناورة لتغيير النظام في سوريا بشكل مماثل للعراق وليبيا، وذلك لتحقيق مصالحها الخاصة في المنطقة.

إن ما يحصل حالياً في العراق يجب أن يوفر دروساً كافية عن عواقب التدخل العسكري في دولة ذات سيادة، حيث إن أي محاولة فرض تغيير نظام آخر في الشرق الأوسط، لن تؤدي إلا إلى إغراق المنطقة في اضطراب وعدم استقرار أكثر عمقاً.

حصلت هذه التداعيات بينما أصيب الرئيس العراقي، جلال طالباني، بسكتة دماغية أدخل على أثرها العناية المركزة في أحد مستشفيات بغداد (قبل أن يتم نقله لاحقاً إلى ألمانيا)، ليتم حقن مستقبل البلاد السياسي بمزيد من عدم اليقين.