يبدو انتقال تونس إلى الديمقراطية هشاً للوهلة الأولى. فقد أصيب أكثر من 200 متظاهر بجروح، بعضها خطيرة، في حملة قمع وحشية شنتها الشرطة عقب الاحتجاجات الأخيرة في مدينة سليانة. وقد فقدت الدعم الحكومة المنتخبة، التي تشكل تحالفاً نادراً بين الإسلاميين والعلمانيين، إذ انشق بعض النواب عن الأحزاب الحاكمة، فيما دعا الرئيس نفسه إلى تعديل وزاري عاجل.
والدستور الجديد، الذي كان من المقرر أن يكتمل قبل شهرين، لا يزال غير جاهز. بعد سنتين من إضرام محمد البوعزيزي النار في نفسه، وإطلاقه العنان لموجة من الانتفاضات في مختلف أنحاء المنطقة، هل بدأ الانتقال التونسي إلى الديمقراطية في الانهيار؟
في حين أن الضغط الاقتصادي هو ما لعب دوراً هاماً في إشعال الانتفاضات العربية، فإن هذا التحدي بالذات هو ما لم يزل بلا حل. فقد ارتفع معدل البطالة في تونس إلى 19% العام الماضي، ولم يطرأ عليه أي تحسن، فيما وصل معدل البطالة بين الشباب إلى 42%.
ويقف هذا النقص الحاد في الوظائف وغياب الانتعاش الاقتصادي، وراء الاحتجاجات التي شهدتها سليانة أواخر نوفمبر الماضي، ومن شبه المؤكد أن الأشهر المقبلة ستشهد احتجاجات في شوارع أخرى. ولم يقدم أي من الأحزاب السياسية المتنافسة، أفكاراً جريئة لتحقيق انتعاش اقتصادي. وحذر الرئيس التونسي المنصف المرزوقي مؤخراً من أن الفقر يهدد تونس الجديدة، قائلا: "
إننا سنشهد ثورة داخل الثورة. فالناس لا يخشون الحكومة الآن، وهم سيخرجون إلى الشوارع ما لم نعطهم سبباً للأمل بأن يتحسن وضعهم". وعلى جبهات أخرى، كان التحول على مدى العامين الماضيين في تونس أكثر إيجابية. فرغم أن حزب "النهضة" الإسلامي فاز في الانتخابات الأولى بعد الثورة، فإن تونس لم تتعرض للاستقطاب والعنف اللذين ميزا تحول مصر إلى حكومة منتخبة يقودها إسلاميون. و
يعود ذلك جزئياً إلى أن النهضة اتسمت، حتى الآن على الأقل، بقدر أكبر من الاعتدال والبراغماتية، مقارنة بمعظم الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة. كما أنه يرجع أيضا إلى تقليد أكثر قانونية، يضمن أن يعقب الانتفاضة انتقال منظم وسلمي إلى حد كبير، وهو ما أدى إلى إجراء انتخابات لتشكيل جمعية لصياغة الدستور في أكتوبر من العام الماضي.
ولم يكن هناك أي تدخل من جانب الجيش التونسي الصغير وغير السياسي. لقد خشي العديد من العلمانيين التونسيين بشكل خاص، أن يفرض حزب "النهضة" ديكتاتورية إيديولوجية، ورقابة على حرية التعبير. كما خشوا أن تعود تونس إلى الحكم السلطوي الخانق الذي ميز حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، الذي استمر 23 عاماً. وبصفته أحد قادة المعارضة السياسية، فقد قال نجيب الشابي في العام الماضي:
"لا يريد التونسيون الأيديولوجية التي تقيد حرياتهم"، ومع ذلك، فإن أسوأ توقعات العلمانيين لم تتحقق. ورغم أن جدلًا حاداً يدور بين الإسلاميين والعلمانيين بشأن هوية تونس، فقد أدى ذلك إلى التوصل إلى حلول وسط أكثر مما أدى إلى انقسامات عنيفة. فكلما طرح الإسلاميون اقتراحاً مثيراً للجدل، تم إجبارهم على التراجع. وفي حين أن الحريات السياسية في تونس ليست مضمونة بأي حال، وأن الأزمة الاقتصادية المتصاعدة يمكن أن تقوض ما تم تحقيقه على الجبهة السياسية، فإن تونس تبقى، حتى الآن، تمثل أكثر التحولات إلى الديمقراطية تفاؤلًا منذ بدء الانتفاضات.