استهدفت الرصاصة الأولى التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في معركته ضد الفساد، وزير الدفاع السابق أناتولي سيرديوكوف، وأعقب ذلك التحقيق في عمليات الاختلاس الكبرى، في كل من "روساغروليسنغ" و"روستيليكوم"، ووكالة الفضاء الاتحادية.

وعلاوة على ذلك، فقد اعتقل عدد من مسؤولي البلديات ورجال الأعمال في سان بطرسبرغ، بتهمة اختلاس 3 مليارات روبل (97,3 مليون دولار) من الأموال المخصصة لإصلاح نظام التدفئة في المدينة، وسرعان ما تم نقل المعتقلين بالقطار إلى موسكو لمنعهم من استخدام علاقاتهم المحلية في سان بطرسبرغ لتجنب الاعتقال.

وفي حال لم يكن ذلك كافياً، فقد فتح المحققون قضايا تنطوي على إساءة استخدام أموال الدولة، وتتضمن وزارة التنمية الإقليمية، وقمة "أبيك" التي عقدت في فلاديفوستوك في سبتمبر الماضي. وفي غضون ذلك، وقع بوتين على قانون لم يكن التفكير فيه وارداً إلا منذ فترة وجيزة.

ويلزم هذا التشريع، الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير المقبل، الوزراء وغيرهم من كبار المسؤولين، بالإفصاح عن جميع النفقات الرئيسية، بما فيها تلك التي ينفقها أقاربهم المباشرون.

ويبدو أن شعار الكرملين الجديد هو: "سوف نزج بجميع المحتالين في السجن، بمن فيهم الوزراء"! ولكن سيرديوكوف ووزيرة الزراعة السابقة يلينا سكرينيك، لم يستدعيا حتى الآن سوى للإدلاء بشهادتيهما في قضايا الفساد التي ترتبط بهما.

وظاهرياً، يبدو أن بوتين بات جاداً في سعيه للقضاء على الفساد.

فبعد 13 عاماً من التساهل مع الفساد باعتباره شراً لا بد منه لضمان ولاء البيروقراطيين، يبدو أن الكرملين قرر أخيراً إطلاق حملة صارمة لمكافحة الفساد ضد المسؤولين متوسطي المستوى والكبار.

وبطبيعة الحال، فإن بوتين هو وحده الذي سيعطي الموافقة النهائية على اعتقال أو سجن الوزراء أو أي شخص على ارتباط وثيق به. ولكن لا يمكن أن يكون هناك شك في أن سياسة جديدة قد اعتمدت.

والسبب الرئيسي وراء تحويل التركيز، يتمثل في العدد المتزايد من المشكلات الاقتصادية الخطيرة التي تعاني منها البلاد. فقد تباطأ النمو الاقتصادي الروسي في السنوات الأخيرة، وتراجع عن اقتصادات دول "البريك" الأخرى، إضافة إلى ارتفاع معدل هروب رؤوس الأموال، وانخفاض معدل الاستثمار الأجنبي.

 ويمثل تراجع شعبية بوتين، السبب الثاني لشن الكرملين معركته ضد الفساد. فقد أدرك بوتين ما تردده المعارضة منذ سنوات، وهو أن الفساد المستشري عطل الاقتصاد والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وأي أمل في تحديث البلاد.

وقد حطمت روسيا الأرقام القياسية العالمية، في ارتفاع تكلفة بناء طرقها وجسورها وملاعبها ومستشفياتها ومدارسها وشوارعها السفلية.

وقد وصل الفساد في روسيا إلى إنفاذ القانون ووكالات الاستخبارات، حيث دُمر نظام سيطرة البرلمان والشعب ووسائل الإعلام على الموظفين العموميين. وفي الوقت نفسه، فإن قائمة "المسؤولين الروس الذين لا تطالهم المساءلة" لا تزال طويلة.