تخبرنا الصور المعبرة الملتقطة مؤخرا، بالكثير عن أزمة الجوع المرعبة الآخذة في التكشف الآن في سوريا التي مزقتها الحرب، إذ تمثل وجوه الأطفال وهم يقدمون أطباقهم الفارغة للحصول على بعض الطعام الموزع من قبل إحدى المنظمات غير الحكومية التركية، في مخيم للاجئين الداخليين بالقرب من مدينة أعزاز في شمالي سوريا، حزما من الألم واليأس تخترق ضباب الأخبار لتفصح عن الحقيقة الإنسانية المباشرة، والقائلة إن السوريين على حافة المجاعة.
وتعد تلك الصور جميلة على نحو بالغ القسوة، فهل ينبعث الضوء الذي ينير هذه الوجوه البائسة من توهج وردي آت من شعلة نار أو مصابيح أمامية لشاحنة ما؟ أم أن المصور هو الذي أضافه؟
إن طريقة إبراز تلك الإضاءة الغامضة لعيون خائفة وتعبيرات توسلية من ظلام محيط، تعتبر فنية بلا شك. وهي أشبه بمشهد على ضوء الشموع، أبدعه الفنان جوزيف رايت من ديربي أو الفنان جورج دي لا تور. أما طريقة مد الأطفال أياديهم وتلويحهم بأطباقهم اللامعة، فتملك القوة الإيمائية الدراماتيكية التي تميز لوحات كارافاجيو.
إلا أن هذا الطابع الفني لا يضيف إلى واقع الصور إلا مزيدا من القسوة، فهي صور تعمق جماليتها فظاعة الخبر الذي توصله. وتوثق هذه الصور المؤثرة بوحشية، فصلا مشؤوما جديدا يتكشف بسرعة في الحرب بين الرئيس السوري بشار الأسد وشعبه، حيث أعلنت الأمم المتحدة أخيرا أنه قد تم تسجيل ما يزيد على نصف مليون لاجئ سوري بشكل رسمي، ولكن يبدو أن الأمم المتحدة لم تحصل على الإحصاءات الدقيقة بعد. وفي تلك الأثناء، فإن المساعدات الغربية لا ترى ببساطة في سوريا.
لقد وقع الملايين في مختلف أرجاء سوريا، في براثن الجوع الشديد، ليس عرضا، وإنما بقصد، مع استهداف قوات الأسد للمخابز، إذ يشكل الخبز جزءا أساسيا من النظام الغذائي المتبع من قبل معظم السوريين. وفي الوقت نفسه، وبعيدا عن حقائق الأمم المتحدة وأرقامها، فإن دولة كاملة تسير على طريق وعرة، في ظل قصف يدمر المنازل، ويرغم الناس على معايشة أقسى ظروف الإقامة المؤقتة، فيما تتلاشى فرص العمل، وترتفع الأسعار، وتلوح المجاعة في الأفق.
وبطريقة ما، فقد خدرت أهوال سوريا الاهتمام الدولي، إذ إنها تحولت إلى قصة أشد إيلاما وإثارة للقلق من أن يدرجها أحد في ذلك المنظور الصارخ والبسيط والأيديولوجي، الذي يبدو ضروريا لدفع المتظاهرين إلى الشوارع، أو رسائل العظماء والشرفاء إلى أوراق الصحف وقد تم تحويلها إلى همهمة بائسة في خلفية الأخبار اليومية. غير أن هذه الصور تستحق أن ترى بأعين جديدة؛ أعين مذهولة.
فلدينا هنا ضحايا تعرضوا للخيانة والحرمان والحيرة، في ظل حرب تدخل الآن أقسى مراحلها. انظروا في أعينهم؛ هل يمكننا حقا أن نقف جانبا وندع سوريا تجوع إلى جانب نزيفها؟