لم يؤد تخطيط المدن، في أي جزء آخر من هذا العالم، إلى الحديث عن استدعاء السفراء، إلا أن خطط إسرائيل لبناء آلاف المساكن في المنطقة المحيطة بالقدس، والمعرفة باسم "شرق1" أو "إي1"، تسببت في عاصفةٍ نارية دبلوماسية بعد استدعاء مبعوثيها في لندن وباريس ومدريد لتلقي التوبيخ المعتاد.

 وأعربت الحكومات الأوروبية عن غضبها من تلك الخطوة، التي ستشطر الضفة الغربية وتفصلها عن القدس الشرقية، بضربةٍ واحدة، من خلال سياج من المنازل الإسرائيلية، لتجد دولة فلسطين المفترضة نفسها، بعد أيام قليلة من التعزيز المتمثل في الاعتراف بها من قبل الأمم المتحدة، مجزأة إلى نصفين وبعاصمةٍ مبتورة، ومن المحتمل أن يكون هذا الأمر نهاية "لحل الدولتين".

هنالك مشكلةٌ واحدة بالنسبة لهذا السرد اللاهث، وهي أن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كان خدعة، حيث من المستبعد جداً البناء في المنطقة "إي1"، على الأقل في أي وقتٍ قريب. ويمكن تشبيه رئيس الوزراء الإسرائيلي برجل يقف على حافة جرف، ويتوسل إلى العالم بأن يمنعه من القفز إلى الهاوية.

ولاحظ القليل من وسائل الإعلام أن هذه الخطوة أقل كثيراً مما تبدو عليه، حيث لم يكن هذا القرار في الحقيقة، أمراً للبدء في أعمال البناء في منطقة "إي1"، بل للبدء في عمليات التخطيط وتقسيم المناطق، وذلك وفقاً لتوضيحات مكتب نتانياهو التي جاءت أخيراً، وعلى عجالة.

لماذا إذاً يتم الإعلان عنها أساساً؟ يبدو الوقوف عند المنطقة "إي1" أمراً منطقياً بالنسبة لنتانياهو، مع قرب حلول الانتخابات المقبلة في يناير، تماماً كما فعل عام 2005، عندما أطلق حملته الانتخابية من على قمة هضبة في المنطقة. فقد زاد قرار الأمم المتحدة أخيراً، من شعور الإسرائيليين بأن إسرائيل تواجه اضطهاداً عالمياً، وأن مضايقة المجتمع الدولي هي النغمة الملائمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي.

والأمر الأكثر مكراً جانب نتانياهو، هو أن لفت الانتباه إلى منطقة "إي1" يعد بمثابة خدعة موجهة لصرف الأنظار عن خطط للبناء في أماكن أخرى من القدس الشرقية المحتلة، والتي سوف تثير، وكالعادة، معارضة كبيرة. دعنا لا نخطئ في هذا الصدد، حيث يعد هذا المشروع هدفاً بعيد المدى لحزب الليكود اليميني، ولن يرغب نتانياهو بشيء أكثر من إرسال المعدات لحفر المنطقة، ووصفه بأنه يؤدي إلى "نتائج عكسية" ويلحق الأذى "بعملية السلام"، كما صرحت وزارة الخارجية الأميركية أخيراً، يبتعد عن جوهر الأمر، وهو أن إحباط إمكانية دولة إسرائيلية هو الهدف المحجوب بالكاد من المشروع الاستيطاني بأسره.

لهذا السبب ستظل منطقة "إي1" فسحة صخرية للخنادق والوديان والتلال، إلى أن يحدث شيء يغير جذرياً من قواعد الاشتباك، وعلى سبيل المثال وصول مؤيد متشدد جمهوري إلى البيت الأبيض. ويجب أن تكون إسرائيل ممتنة لذلك، فالدولة الفلسطينية هي فرصتها الوحيدة لتحرر نفسها من عبء حكم عدة ملايين من الناس المحرومين في احتلال لا نهاية له. وإذا ما تحركت الجرافات يوماً ما، أخيراً، وتم تدمير ذلك الحلم، فإنه سيتم دفن فكرة الديمقراطية الإسرائيلية في مكانٍ ما تحت الركام.