يبدو أن الرئيس المصري محمد مرسي قد أجرى تصحيح مسار فيما يتعلق بسطوته الأخيرة الأكثر إثارة للانزعاج على السلطة. وأفادت تقارير بأنه خلال اجتماعه، أخيراً، مع مجلس القضاء الأعلى في مصر، قد وافق على الحد من السلطة الكاسحة التي جمعها في قبضته من خلال الإعلان الدستوري من جانب واحد الذي أصدره، أخيراً. وبدلاً من تحصين جميع قراراته من المراجعة القانونية، فسوف يحتفظ بسلطة تحصين جمعية صياغة الدستور من أن يتم حلّها بأحكام قضائية قبل أن تنهي مهمتها في مطلع العام المقبل.
فلو صح هذا الأمر، وكانت التفاصيل واضحة بشكل كامل، لكان تحول مرسي بمثابة إجراء براغماتي يحفظ ماء الوجه. الاختبار الحقيقي حالياً يتمثل فيما إذا كان سيستطيع إرضاء منتقديه، الذين ملأوا الشوارع احتجاجاً على الإعلان الدستوري. فقد ازدادت لديهم حالة الضجر من الاضطرابات المستمرة والانهيار الاقتصادي والتراجع في مستوى الخدمات الحكومية منذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، ولا يزالون في حالة عدم ثقة حيال حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي.
الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي، أخيراً، تماماً مثل كونه تمت الإشادة به للمساعدة في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة، أخيراً، كان صادماً. فقد تضمن عدة خطوات كان يمكن أن يكون لها قبول شعبي، مثل إقالة النائب العام الذي ظل في منصبه منذ عهد مبارك وتمهيد الطريق لإعادة محاكمة مبارك ومسؤولين آخرين. لكن الإعلان، في جوهره، من شأنه أن يحصن جميع قرارات مرسي من المراجعة أمام القضاء ويؤسس لما وصفته 23 جماعة حقوقية مصرية في بيان لها لـ "دكتاتورية جديدة". وقال مرسي ومسؤولو حكومته إنه كان بحاجة إلى سلطات جديدة لحماية عملية كتابة دستور البلاد.
وشدّد على أن الإعلان الدستوري سوف يستمر فقط إلى حين سريان الدستور الجديد. والادعاء بأن هذا الإجراء كان مؤقتاً لم يقدم أية تطمينات لأن قانون الطوارئ من عهد مبارك ظل مطبقاً لمدة ثلاثين عاماً. لكن مصدر القلق الآخر لا يمكن استبعاده بسهولة. منذ عدة شهور، أسفر حكم محكمة، عيّن مبارك قضاتها، عن حلّ مجلس الشعب المنتخب ديمقراطياً والذي يهيمن عليه الإسلاميون .
ولجنة صياغة الدستور الأولى. وسرت شائعات تفيد بأن محاكم كانت على وشك إصدار أحكام بحلّ الجمعية التأسيسية المنتخبة ومجلس الشورى المصري. ولو كان ذلك قد حدث، لكان بمثابة تقويض للإرادة الشعبية مرة أخرى، ولكان من غير الممكن بناء مؤسسات الدولة التي تحتاجها مصر للمضي قدماً.
وعلى الرغم من ذلك، لم يستطع حلفاء مرسي الترويج لحجتهم بأنه يتعين عليه أن يهمش القضاء بهذه الطريقة. وقال وزير العدل في حكومته علناً إنه لابد لمرسي أن يتراجع عن هذه الخطوات، كما استقال ثلاثة من كبار مستشاري الفريق الرئاسي. وحث البيت الأبيض المصريين، أخيراً، على حل خلافاتهم سلمياً، بينما دافعت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن عملية دستورية "لا تركز السلطة في يد فصيل واحد".
لابد للدكتور مرسي من إتاحة مجال في الجمعية التأسيسية أمام خصومه والعمل على التفاوض حول حلول سياسية باسم المصريين، والإعلان الدستوري كان بمثابة نكسة لهذه القضية.