بمتابعة التطورات التي تشهدها مصر، على خلفية إصدار الرئيس محمد مرسي إعلانا دستوريا مثيراً للجدل، نرى أن ما يحدث في مصر ليس وليد الصدفة، بل كان هناك الكثير من المؤشرات على قرب انفجار الأوضاع، حيث بدا منذ وصول الإخوان المسلمين للرئاسة حرصهم الواضح على الاستحواذ على السلطة وعدم مشاركة أحد معهم فيها، وهو الأمر الذي قد يتفق مع نهجهم ومخططاتهم المستقبلية، لكنه بالقطع لا يتفق مع طبيعة المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير، ومن المعلوم للجميع أن أكثر من نصف المواطنين المصريين، كانوا يعارضون السياسة التي ينتهجها الرئيس مرسي طيلة الأربعة أشهر الماضية منذ توليه الرئاسة، وكانوا بانتظار اللحظة المناسبة للتعبير عن ذلك. ومن المعروف كذلك أن الشرائح الليبرالية في المجتمع المصري والفئة الشبابية كذلك، كانت ولا تزال تسعى لتحرير النظام السياسي من أية جماعات أيديولوجية دينية أو غيرها، وذلك أملا في مصر جديدة ديمقراطية يحكمها كل المصريين وتتداول فيها السلطات بانتخابات ديمقراطية، لكن الأمور لم تقف عند حد الجمود، وعدم التحرك نحو الديمقراطية، بل سارت، على ما يبدو للجميع في الداخل والخارج، نحو إعادة إنتاج النظام القديم.

يرى بعض الخبراء أن ما حدث في مصر، كان متوقعا لعدة أسباب من أهمها قلة خبرة جماعة الإخوان المسلمين والرئيس مرسي في العمل السياسي الرسمي والعلني، وإدارة شؤون الدولة. فقد أكدت أحداث الأيام الأخيرة أن مرسي أقدم على خطوة غير مدروسة بالإعلان الدستوري الذي أعلنه، والذي بدا منه أنه جزء لا يتجزأ من سيناريو الاستحواذ على السلطة، هذا بالإضافة إلى أن مرسي لم يحقق حتى الآن الكثير من وعوده الانتخابية. لهذا فهو مطالب الآن، أكثر من أي وقت مضى، بإتقان فنّ المناورة والمراوغة، لكي يتمكن من تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر. وعليه كذلك أن يكون مستعدا للقادم من الأيام، لأن الأوضاع الاقتصادية في بلاده، تنذر باندلاع المزيد من الاضطرابات. وعليه أن لا يشغل نفسه بالبحث عن أعداء خارجيين، لكي يضمن التفاف الشعب حوله.

من المرجح أن يبحث الرئيس المصري عن حل وسط، لأن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع نصف المجتمع، ومع السلطة القضائية، يمكن أن يؤدي الى ما لا يحمد عقباه، بالنسبة لمستقبله السياسي، وبالنسبة لأمن البلد واستقراره. إن هذه الأجواء المشحونة تعيد إلى الأذهان الأحداث التي شهدتها مصر إبان الثورة. والبعض يرى فيها أنها بداية لثورة جديدة لن تكون سلمية ولا بيضاء مثل الماضية، بل ستحدث فيها صدامات لا تحمد عقباها، فحتى إذا لم تؤد المواجهات الشعبية الحالية إلى تغيير جديد في طبيعة السلطة القائمة، إلا أنها تشكل ضربة قوية لهيبة رأس السلطة ـ الرئيس مرسي. ومن المؤكد انه لن يكون باستطاعة المعارضة أن تزيح الرئيس عن السلطة لأن الإسلاميين لن يتركوه فريسة سهلة لهم. لهذا يجب على كافة أطراف المعارضة أن ترص صفوفها لتحقيق أكبر قدر ممكن من تطلعاتها.