الاشتباكات التي جرت مؤخراً، بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة وحوله، تقدم تنبيهاً هاماً للفترة الثانية لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، مفاده أنه بالإمكان تجاهل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حتى هذا المدى الزمني.

بالإمكان، مع قدر من التفكير بالتمني، الحد من أهمية ذلك الصراع إلى أولوية منخفضة على قائمتكم الخاصة بالمهام في الشرق الأوسط، أقل من إيران وسوريا وأفغانستان، وإضفاء الطابع الديمقراطي على الإسلام السياسي.. ولكنه سوف يسعى جاهداً لأن يرتد مرة أخرى كي يصل إلى قمة قائمتكم.

في الوقت الحالي، تواجه الإدارة تطورين عاجلين يتعلقان بالنزاع، وهما التصعيد العسكري في غزة، وإصرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على السعي لاعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة غير عضو.

الميل الطبيعي لواشنطن يتجه للاعتماد على صيغ مشوهة لدفع هذه القضايا مرة أخرى بعيداً عن جدول الأعمال الفوري، والمتمثل في وقف إطلاق نار آخر بوساطة مصرية، مهما كان مؤقتاً، ولو كان مؤقتاً، في غزة، وتقديم ووعود لعباس بأنه إذا صرف النظر عن مسألة الأمم المتحدة، فإن الإدارة سوف ترعى مرة أخرى مناقشة صيغة أوسلو المتعلقة بحلّ الدولتين.

ربما تكون هذه التكتيكات فعّالة لبعض الوقت، على الأقل حتى تنظم الإدارة الجديدة نفسها، وتنتهي إسرائيل من الانتخابات المقررة في يناير المقبل.

ولكنها مجرد تكتيكات فحسب، فهي تعكس غياباً ممتداً لاستراتيجية واقعية في واشنطن والقدس والعواصم العربية، في ما يتعلق بالتعامل مع القضية الفلسطينية بكل تعقيداتها. وبالنظر إلى قطاع غزة، فقد فشلت خمس سنوات من الحصار الاقتصادي لإضعاف حماس أو ترويضها، في حين أضفت على إسرائيل سمعة سيئة.

يتم نبذ إعادة الاحتلال العسكري على نحو مبرر من قبل إسرائيل، باعتباره يأتي بنتائج عكسية، وكل توغل في القطاع له خطة خروج سريع. وترفض حماس إجراء محادثات مع إسرائيل، وإسرائيل من جهتها، وبدعم من واشنطن، ترفض الحديث مع حماس.

الآن، فإن حماس، بدعم من الحكومة المصرية التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبفضل الدعم المالي من جهات أخرى، تشعر بمزيد من الثقة أكثر من أي وقت مضى، رغم القصف الذي تعرضت له من جانب إسرائيل. فهي تتحدى الولايات المتحدة، في سيناريو أفضل حالاً، يتمثل في حل ثلاث دول.

ومن حيث السيناريو الأكثر سوءاً، يمكن أن تؤدي استفزازاتها إلى وصول مصر وإسرائيل إلى حافة توتر مسلح خطير.

وبالتحول إلى الضفة الغربية، حيث تشرف السلطة الفلسطينية على الإفلاس، وتدعي أنه لا يزال بإمكانها أن تمثل غزة في الأمم المتحدة، وتجري محادثات مع إسرائيل، فإن عدم وجود مفاوضات جوهرية على مدى السنوات الأربع الماضية، يشير إلى انهيار محقق لعملية أوسلو، وهي استراتيجية السنوات العشرين الماضية.

كان فشل محادثات أولمرت وعباس مرة أخرى في سبتمبر 2008، يتجاوز بكثير كونه مجرد نكسة تكتيكية. وبالعودة إلى الماضي، كان يجب أن يفهم أن هذا الفشل انعكاس لعدم القدرة الحقيقية للأطراف على سد ثغرات تتعلق بحق اللاجئين في العودة ووضع القدس.