هناك مفارقة صارخة بشأن حملة القمع التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ انتخابه رئيسا لولاية ثالثة. فإذا كان قد حصل على تأييد الأغلبية، حيث أظهر استطلاع حديث للرأي أن أكثر من 33٪ ممن جرى استطلاع رأيهم يرغبون في بقاء بوتين لولاية رابعة تتجاوز عام 2018، وإذا كانت المعارضة التي ملأت شوارع موسكو وسان بطرسبرج قبل عام تقريبا باعترافها غير قادرة على تقديم بديل، فلماذا يلجأ إلى أساليب القمع التي لم تظهر منذ أيام الاتحاد السوفيتي السابق؟
أساليب من هذا القبيل، مثل خطف ناشط كان قد فرّ إلى كييف لطلب اللجوء السياسي يتعرض لسوء المعاملة على مدار يومين حيث أُبلغ أنه إذا لم يوقع على اعتراف يفيد بتورط زميليه من قادة الجبهة اليسارية الاشتراكية، وهما سيرغي أودالتسوف و كونستانتين ليبيديف، سوف يتم قتل أولاده. و يجري التحقيق مع أودالتسوف و ليبيديف بتهمة "التدبير لإحداث اضطرابات شاملة" و مواجهة عقوبة السجن لمدة 10 أعوام.
و الكثير غيرها من الوسائل الأكثر اتساماً بالمكيافيلية. وامتدت عقوبات السجن إلى الفرقة الغنائية النسوية "بوسي ريوت". واستشعر أحد الأشخاص في الدائرة المقربة من بوتين فرصة لقلب الطاولة على حركة الاحتجاج.
الصراع، الذي حرّض حتى ذلك الحين الشباب من الطبقة المتوسطة الحضرية ضد البيروقراطيين من المتقادمين الفاسدين و الأثرياء، تحول إلى تحدٍ من مجموعة هامشية ضد أغلبية أخلاقية محددة ذاتياً. هناك جزء من الكنيسة، كان قد بدأ بث حالة من القلق بشأن بوتين، تحول فجأة ضد الاحتجاج و مجموعة "بوسي ريوت" و أصبح في صفه.
كذلك أضعف بوتين المعارضة خلال الظهور بمظهر أنه يعطيها ما تريده، مثل السماح بتشكيل الأحزاب. وكانت النتيجة إغراق الانتخابات الإقليمية الأخيرة بالأحزاب الفاسدة التي شقت دعم المعارضة. وتمت إعادة انتخاب الحكام الحاليين في كل منطقة من المناطق الخمس التي يحكمونها.
الصراعات التي أججها بوتين منذ إعادة انتخابه، المتمثلة في صراع الشباب ضد الكنيسة الأرثوذكسية و الليبراليين مقابل المحافظين والغربيين مقابل القوميين، كلها أشعلت المحرك المعادي للولايات المتحدة. و أميركا هي شريك على الصعيد الرسمي.
و بوتين يقول ذلك علناً أو يقوله للرئيس الأميركي باراك أوباما بشكل خاص. تلك كلمات، ولكن بقدر ما يكون هناك شعور بالقلق من الأفعال، فإن ممثلي الولايات المتحدة في روسيا تتم معاملتهم مثل العدو من الداخل، دوافعهم مشكوك بها وتم إغلاق وكالة المعونة الخاصة بهم، ويتم إخضاع دبلوماسييهم لمراقبة فضولية.
فيما يتحول الاستقرار الذي أفلح بوتين في تحقيقه خلال فترتي رئاسته الأوليين إلى ركود في فترته الثالثة، فإن سلطته يجري تحديها من الداخل. و لكنه لن يحقق شيئاً في معالجة مصدر مشكلاته، وهو النظام الحكومي الفاسد و المتصلب وغير القابل للإصلاح الذي ارتبط باسمه وقدرة على نحو لا فكاك منه.