لطالما افتتنت عاصمة جورجيا مرة بمبانيها القديمة والشهيرة، ولكنها الآن وتماشيا مع رئيس البلاد انجرفت نحو الحداثة. وصف الأديب البولوني ريزاد كابوسينسكي في كتابه البديع "الإمبراطورية" زيارةً إلى مدينة تبليسي الجورجية عام 1990 ، فقد كان مواطنوها يطالبون بالاستقلال كسائر الناس في دول الاتحاد السوفييتي السابق. وقد افتتن بتبليسي القديمة الساحرة ليصفها في غمرة تأريخه للاضطرابات السياسية، فقال: "الحي المؤلف من بيوت الباستيل، الشبابيك، والشرفات، والحدائق أمكنها الاحتفاظ بلمسة من سحرها السابق".
ولكن هنالك مأساة قيد التحقق في تبليسي القديمة. فالسلطات تدمر وبسرعة خاطفة مباني القرن التاسع عشر التي سحرت كابوسينسكي لتحيل البلاد إلى سحر يخلو من أي معنى. البلدة القديمة هي موطن تتمازج فيه الطُرُز المعمارية: الكلاسيكية والروسية والفن الحديث، (ولا يعود أي مبنى من هذه المباني إلى ما قبل عام 1795 حينما أحرق الفرس تبليسي كاملة). وصفات هذا المكان الأكثر تميزا هي الشرفات الخشبية حيث تبدو دقيقة ومتهالكة، وعند الشوارع الضيقة المرصوفة بالحصى يكون أعلاها ناتئا، والمداخل المزخرفة تحفها أشجار التين.
وفقا للكاتب والناشر البريطاني بيتر ناسميث، الذي يعيش في تبليسي منذ أكثر من سنة، فقد اختفى ما يقارب من ثلث البلدة القديمة. وقد احتدمت وتيرة الدمار منذ عام 2007. يقول بيتر: "لقد سقطت المدينة، لتحل محلها نسخة من ديزني" ليكمل في أسى بأن هذه هي جولة في البلدة القديمة. ويضيف: "هذا هو الجزء الآسيوي من تبليسي، إننا نخسر كل هذه الشرفات الخشبية المترهلة، فالآسيويون يطرقون الشرفات القديمة ليعيدوا بناءها بأسلوب مختلف تماما. وهذا شيء مفجع !
وفي مايو الماضي، بدأت السلطات بتدمير أحد أكثر المباني شهرة في تبليسي، وهو قصر ليرمونتوف الواقع في ساحة غودياشيلي. الساحة محاطة بالقصور الإمبراطورية المتداعية، تحفها أشجار الآكاسيا.
ويبدو القصر فارغا، بعد أن قامت شركة بناء بفصل شرفتيه الجميلتين، واختفت أجزاء من سقف وسلم البيت. وفي الفناء، شاب يلوح بعلم إيفان شفيلي المنتمي لحزب "الحلم الجورجي". خلال الصيف وقفت مجموعة من حماة البيئة الجورجية خارج قصر ليرمونتوف. ليطلقوا صافرات ويحملوا لافتات كتب عليها: "تدميرك لهذا المكان سيعرضنا للدمار أيضا" ولكن دون جدوى!
يوجد حفارا بالقرب من بوري، أو ساحة بريد، وقد تعرض الجانب الشرقي من الساحة للتدمير، ليستبدل بمبنى بديل مؤلف من أعلى طابقين في المنطقة. لقد كان هذا المكان من أجمل الساحات الصغيرة في تبليسي. كانت واجهته رائعة، واليوم يتم نحر واحدة من أجمل البلدات الأوروبية القديمة، ويقوم المطورون العقاريون بجرف الأماكن وبناء نسخة مزيفة تشابه الأصلية، مدعمةً بالطوب الأصلي. بعدها يقوم المالك بالبيع ويرحل تاركا تبليسي بلا روح في كل مرة.