توفي الرئيس الكمبودي السابق نوردوم سيهانوك عن عمر يناهز 89 عاماً، في بكين أخيراً، إثر أزمة قلبية، تاركا وراءه حياةً مضطربة انعكست على التاريخ الحديث لكمبوديا، وهي دولة صغيرة عانت المآسي والصعوبات، وتحكمت وساهمت مصالح الدول العظمى وتحركاتها في تقرير مصيرها.

وقد استغل سيهانوك أحوال البلاد المضطربة لتوظيف مناوراته السياسية. وبالرغم من تذبذب أدائه في هذا الشأن، إلا أن العالم سيذكره كرئيس ساهم في منع القوى السياسية الخارجية من التدخل في شؤون بلاده الداخلية ومنع انقسامها.

رحيل سيهانوك لن يؤثر على الأوضاع السياسية لكمبوديا ودول الجوار، خاصة أنه ترك معترك الحياة السياسية في عام 2004، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر أنه لولا جهوده في إحلال السلام في كمبوديا، التي تعرضت للنزاعات والصعوبات لسنوات طويلة، لما تمكنت دول شرق آسيا من بلوغ التطور الذي تنعم به اليوم تحت مظلة اتحاد دول جنوب شرق آسيا.

اتسمت حياة سيهانوك بالمتاعب، فحينما توج ملكاً على البلاد عام 1941، كانت كمبوديا مستعمرةً لفرنسا التي حكمت الهند الصينية في ذلك الوقت، وفي عام 1953 ظفر سيهانوك باستقلال كمبوديا، وجاهد في تطبيق السياسة البوذية الاشتراكية عن طريق تنظيم اقتصاد البلاد، وأيضا من خلال اتباع سياسة الحياد الخارجي. وفي ستينيات القرن الماضي تمكن من إحلال السلام فازدهرت كمبوديا كدولة تقف على بساط الحداثة.

عام 1970 انقلب رئيس الوزراء "لون نول" على سيهانوك، فلجأ الأخير إلى بكين، وشكل حكومةً مناصرة لحزب "الخمير الحمر" الشيوعي المعارض لحزب لون نول الشيوعي في خطوة منه للإطاحة به. وفي أبريل عام 1975، عاد سيهانوك إلى كمبوديا تحت حماية حزب الخمير الحمر كرئيس لدولة كمبوديا ولكن تم وضعه تحت الإقامة الجبرية.

في ديسمبر من عام 1978غزت فيتنام دولة كمبوديا وأطاحت بحزب الخمير الحمر، فهرب الرئيس سهيانوك إلى بكين مرة أخرى وأصبح رئيساً لحكومة قام بتشكيلها من ائتلاف يتكون من حزب الخمير الحمر وجماعة أخرى، حيث كانت كلتا الجماعتين معاديتين للحكومة الموالية لفيتنام. عندما تم تعيين سيهانوك كرئيس للمجلس الوطني الأعلى، عمل وسيطا بين هذه الدول الأربع لإيجاد حل للنزاع بينها، فتكلل جهده بانتهاء الحرب الأهلية في كمبوديا من خلال توقيع معاهدة السلام في باريس عام 1991.

وعلى الرغم من مرور سنوات على انتهاء الحرب في كمبوديا، إلا أن الشعب الكمبودي لازال يحاول التخلص من ماضيه الدامي. ففي عام 2006 جرت محاكمات بحق قادة حزب الخمير الحمر الذين ارتكبوا عمليات الإبادة الجماعية للشعب الكمبودي، إلا أنه لم يصدر عن تلك المحاكمات سوى حكم واحد فقط.