تثير المخاوف المتزايدة من امتداد الحرب الأهلية في سوريا إلى الدول المجاورة، نقاشات ملحة في تركيا وعدد من الدول العربية، حول اتخاذ موقف مشترك أكثر صرامة، بما في ذلك التدخل العسكري، وهو أمر شكل نقطة محورية في مؤتمر الحزب التركي الحاكم الذي عقد مؤخراً في أنقرة، بحضور العديد من القادة العرب.
ولكن من المرجح أن الأحقاد القديمة، والضعف الحالي، والميل إلى المماطلة عندما يتعلق الأمر بالقتال الفعلي، ستستمر في تقويض أية إجراءات إقليمية فعالة.
وخلافاً لما حدث في ليبيا، حيث أخذ حلف شمال الأطلسي زمام المبادرة بعد أن تبرأت الجامعة العربية من الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، فإن الحكومات العربية التي تطالب برحيل الأسد، تركت لتتصرف بمفردها من قبل الغرب.
وفي حين أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كرر في الأمم المتحدة، مطالبته بتنحي الدكتاتور السوري، فإنه لم يتخذ أية خطوة جديدة لتحقيق ذلك، والأمل ضعيف في أن يتخذ موقفاً أكثر صرامة، إذا تمت إعادة انتخابه في نوفمبر المقبل.
ولا تظهر الانقسامات المعيقة داخل مجلس الأمن الدولي، أي بوادر للانفراج. وقد تحدث بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، عن «كارثة إقليمية لها تداعيات عالمية ناجمة عن استمرار القتال في سوريا»، وأضاف: «لا ينبغي للمجتمع الدولي أن يشيح بوجهه عن الوضع هناك».
ولكن، رغم الخطب الرنانة والتذكير بـ«مسؤولية الحماية» التي تقع على عاتق الأمم المتحدة، فإن هذا بالضبط هو ما يحدث حالياً. ويبقى تدخل الدول العربية في سوريا بشكل مباشر، أمراً بعيد الاحتمال في الوقت الحاضر، غير أن هناك وسائل سرية غير مباشرة يجري تطبيقها بالفعل، والحكومات الضعيفة عسكرياً تواصل دفع غيرها من الدول للتحرك نيابة عنها.
ولكن رغم الإحجام الواضح عن التدخل المباشر، فإن درجة الحرارة السياسية ترتفع مع انتشار الحرب الأهلية في سوريا، كبقعة حبر تنتشر عبر خريطة الشرق الأوسط.
ويخشى لبنان والأردن انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي، وسط موجة هائلة من اللاجئين. وتتحدث تقارير واردة من العراق، عن توغلات متكررة في أرضه ومجاله الجوي من قبل المقاتلين السوريين.
ومنذ أيام قليلة، سقطت قذائف هاون سورية على مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل.
ومن بين كل الدول المجاورة، فإن تركيا القوية عسكرياً، هي التي تعاني بالدرجة الأكبر، لا سيما نتيجة لقرار الرئيس السوري بشار الأسد بتقديم القواعد والدعم لمقاتلي حزب العمال الكردستاني، في صراعهم الانفصالي ضد تركيا. وجاءت تلك الخطوة بعد اتخاذ رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قراراً بقطع العلاقات مع سوريا، وإدانة سفك الدماء الحاصل هناك، والمطالبة بتنحية الأسد.
وفي مقابلة أخيرة له، قال أردوغان: «النظام السوري سيزول، فبشار ميت سياسياً». ومن شأن عداوة من ذلك النوع أن تكلف غالياً، فقد وصلت أعمال العنف المرتبطة بحزب العمال الكردستاني داخل تركيا إلى أعلى مستوى لها منذ 10 سنوات، وهي آخذة في الانتشار.
وتضغط فرنسا على تركيا لتبادر إلى الدفاع عن «المناطق المحررة» على طول حدودها مع سوريا، وهي فكرة تعيدنا إلى ملاذات العراق الآمنة في تسعينات القرن الماضي، التي تبرأت منها الولايات المتحدة وبريطانيا. ولكن في حين أن أردوغان لن يعمل بالاقتراح الفرنسي دون دعم من الأمم المتحدة، أو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على الأقل، فإنه قد يكون في مزاج مناسب للرد على الأسد لدعمه الاستفزازي لحزب العمال الكردستاني.