أدرك بعض السياسيين الغربيين أن التدخل العسكري الشامل في سوريا والقصف الجوي على غرار ما حدث في ليبيا، ليسا خيارين عمليين على الساحة السورية، ومن هنا فإنهم يبحثون إمكانية تبني نقل السلطة في دمشق على الطريقة اليمنية.
وقد قامت الجوانب الثلاثة الأساسية في النموذج اليمني، على أساس إعطاء الرئيس حصانة من المحاكمة، ونقل السلطة السياسية إلى نائبه، وتشكيل حكومة إجماع وطني نصفها من الحزب الحاكم. غير أنه لأسباب عديدة، فإن مثل هذا النموذج سيكون صعب التطبيق على الساحة السياسية- الاجتماعية في سوريا.
أولاً، من وجهة نظر العلاقات الدولية، فإن اليمن يعد مختلفاً عن سوريا بشكل أساسي، وخريطة طريق للانتقال السياسي في اليمن أعدتها بصفة أساسية السعودية التي تعد عملاق شبه الجزيرة العربية، وتتميز بشبكة واسعة من العلاقات التي تربطها بالفاعلين الرسميين وغير الرسميين داخل اليمن، وتتمتع بالقدرة على أن تلقي بثقلها وراء التوصل إلى انتقال سلمي للسلطة في صنعاء.
أما الأزمة في سوريا فإن لها سياقاً دولياً أوسع نطاقاً بكثير من اليمن، حيث تدور حول التحالفات الاستراتيجية مع روسيا والصين وأطراف أخرى. وخلافاً لدول الجوار المتجانسة مع اليمن، فإن دول جوار سوريا متباينة ولها أجندات ومصالح متعارضة داخل سوريا.
ثانياً، تجاوزت الدرجة والمدى الزمني للرد الوحشي لنظام الأسد على الانتفاضات الشعبية، جميع ردود الأنظمة التي سقطت في تونس ومصر واليمن وليبيا، ونتيجة لذلك فإن التجربة الجماعية المريرة للمجتمع السوري اليوم، تعد أوسع نطاقاً وأعمق غوراً من نظيرتها في أي دولة من دول الربيع العربي.
ثالثاً، كان اليمن بالنسبة للرئيس علي عبدالله صالح، كياناً سياسياً هشاً تحكمه بنية عائلية- قبلية، تخللت المؤسسة العسكرية التي يغلب عليها الطابع القبلي. وفي المقابل فإن نظام الأسد، ذا القبضة الحديدية والطابع المركزي القوي، يدور حول السيطرة العسكرية ذات القاعدة الطائفية، التي تشمل المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى، وقد عمقت دولة المخابرات السورية الرهاب الطائفي في المجتمع السوري، وبالتالي فإن سوريا تغدو أكثر تعقيداً بكثير من اليمن، في إمكانية التعامل معها بعد إسقاط نظام يقوم على أساس طائفي.
إذا وافق الأسد على التخلي عن المقعد الرئاسي مقابل الحصانة من المحاكمة على نحو ما فعل صالح، ولم يتم تقديم مرتكبي المذابح والفظائع في سوريا للمحاكمة، فإن الدافع للانتقام من الطائفة العلوية سيصبح الطريقة التي يعتمدها الكثير من السوريين لتجنب المزيد من المعاناة، وسيؤدي تطبيق النموذج اليمني في سوريا إلى اندلاع معركة طائفية وجودية، لا يدري أحد إلام ستفضي في نهاية المطاف.
إن المعايير المزدوجة للمجتمع الدولي في ما يتعلق بقضايا الربيع العربي والنتائج المترتبة على إسقاط أربعة من القادة العرب، تعلمنا أن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لا يمكن أن يسقطا من السماء، أو أن يتحققا عبر التدخل الأجنبي.