روسيا التي يسكنها أكثر من عشرين مليون من المسلمين رأت أن تتعامل مع أزمة فيلم "براءة المسلمين" المسيء للإسلام والمنتج في الولايات المتحدة الأميركية، بشكل أكثر جدية وجزم، ولم تكتفي بالاستنكار، وقدرت السلطات الروسية عدم لجوء المسلمين الروس لمظاهر العنف والتظاهر كما حدث في بلدان أخرى، فبادرت هذه السلطات باتخاذ إجراءات جادة وعملية لم تتخذها أية دولة أخرى، بما فيها الدول الإسلامية، حيث رفعت النيابة العامة الروسية دعوى قضائية إلى المحكمة، تطلب فيها اعتبار فيلم "براءة المسلمين" عملا متطرفا ومسيئا لمشاعر المؤمنين. وفي حـال موافقة المحكمة على الحجج المقدمة من النيابة العامة، فسوف يكون من الممكن حظر عرض الفيلم على كافة الأراضي الروسية وأيضا الاحتجاج لدى الحكومة الأميركية.

كما حذت الهيئة الفيدرالية للرقابة حذو النيابة العامة وحثت شركات الاتصالات الروسية، على حجب ذلك الفيلم المثير للجدل على شبكات الإنترنت، إلى أن ينتهي القضاء من البت في قضيته.

وقال نائب رئيس مجلس المفتين في روسيا روشان عباسوف للصحيفة: إن ما اتخذته السلطات الروسية جيد وصحيح تماما. لأن الفيلم موجه ضد الإسلام ويسيء إلى مشاعر المؤمنين. ومن المؤكد أن منتجي ذلك الفيلم، تقصدوا تقويض السلام بين الأديان.

وأيدت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان خطوة النيابة العامة الروسية، إذ قال بافل تشيكوف رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان "أغورا"، إنه من حيث المبدأ، يعارض أي حد لحرية التعبير عن الرأي. لكنه في هذه الحالة تحديدا، ولأول مرة يؤيدها تماما، لأن ثمة الكثيرين من المتطرفين في روسيا، ممن يمكن لهم أن يستغلوا هذه الفرصة، لتنفيذ أجندات مغرضة.

المراقبون وأيضا المواطنون الروس فوجئوا برد الفعل الفوري الذي قامت به النيابة العامة الروسية، لافتين إلى أن هذه هي المرة الأولى، التي يتم فيها، في روسيا، وصم عمل فني أجنبي بالتطرف، خاصة وأن المقاطع التي نشرت غير مترجمة إلى اللغة الروسية. هذا، بالإضافة إلى أن الفيلم هو أول منتج فكري من هذا النوع، يدرج في قائمة المواد المحظورة. حيث عادة ما تدرج مؤلفات لشخصيات إسلامية في هذه القائمة.

وليس صحيحا ما يدعيه البعض من أن السلطات الروسية تسعى إلى كسب ود المسلمين داخل روسيا لأنها تخشى من اندلاع اضطرابات في منطقة شمال القوقاز الروسية التي تسكنها أغلبية مسلمة، إلا أن الواقع أن الأمر ليس كذلك، ولكن الحكومة الروسية تتعامل بجدية دائما مع أي شيء يمس حرمة الأديان والمعتقدات، ولا يستبعد البعض أن يكون القرار المذكور قد اُتخذ على أعلى المستويات لأن السلطات الروسية أصبحت في الفترة الأخيرة تتجاوب بتفهم فائق مع الخلافات والفضائح الدينية، خاصة بعد العمل المشاكس، الذي قامت به فرقة بوسي رويت في كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو.