لم تحظ ليبيا وثورتها المؤيدة للديمقراطية بصديق أفضل من جيه. كريستوفر ستيفنز، السفير الأميركي الذي لقي مصرعه جنباً إلى جنب مع ثلاثة دبلوماسيين أميركيين آخرين، في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي. وقد كان عملاً وحشياً يستحق الإدانة بأقوى صيغة ممكنة.

 وقد تلقى تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما المفعم بالغضب، وتأكيده على ضرورة تقديم القتلة للعدالة، دعماً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما في ذلك التأييد من السياسيين الذين يلتزمون، في غير هذا المجال، بحرب بين الحزبين، مثل رئيس مجلس النواب جون بوينر وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي نادرا ما يهدر فرصة للهجوم على أوباما.

ولكن التأييد لم يأت من المرشح الجمهوري ميت رومني، الذي يريد من الأميركيين أن يصدقوا أنه يمكن أن يكون رئيساً للولايات المتحدة، ولكنه أظهر افتقارا ملحوظا للشخصية الرئاسية، باستخدام مصرع الأميركيين في ليبيا كحجة ليس لمهاجمة أوباما فحسب، وإنما للقيام بذلك بطريقة توحي بجهل خطير بالحقائق، أو باستعداد مماثل في خطورته، لاستغلال الحقائق لتحقيق أهدافه الحزبية الضيقة.

كان ستيفنز مبعوث واشنطن للثوار في ليبيا عندما كانوا يقومون بالإطاحة بالقذافي، وأصبح سفيراً ولم تردعه الأخطار، وإنما عمل على بناء الشراكات بين الجماعات المتباينة في البلاد، وإرشاد الديمقراطية الجديدة الهشة خلال فترة انتقال صعبة. ولما كان يتحدث العربية بطلاقة، فقد حقق فهماً عميقاً للثقافة الليبية وللشعب الليبي.

وقد ذكرت إدارة أوباما أنه يبدو أن مجموعة مسلحة بالهاونات والقذائف الصاروخية، قد استغلت احتجاجاً على الفيلم المسيء للإسلام لكي تشن الهجوم، وأشار بعض التقارير الإخبارية إلى أن القاعدة ربما تكون مسؤولة عن الهجوم. ولاحظ بعض المسؤولين الأميركيين التباين مع الوضع في مصر، حيث قام محتجون غير مسلحين ينددون بالفيلم نفسه، باقتحام محيط السفارة الأميركية في القاهرة بصورة عفوية، ومزقوا علما أميركيا لكنهم لم يحدثوا ضررا فوق ذلك.

وسوف تحتاج حكومة ليبيا الجديدة غير المستقرة، إلى الدعم الأميركي لتقديم القتلة إلى العدالة.

أصول الفيلم المسيء ليست معروفة، وهناك تكهنات كبيرة حول من الذي أنتجه، خاصة وأنه لم يلتفت إليه أحد إلا بعد أن جرى الترويج له على الإنترنت من قبل موريس صادق، وهو حليف قبطي مصري المولد، لتيري جونز القس المقيم في فلوريدا الذي فجرت تهديداته بإحراق المصحف الشريف، اضطرابات كبيرة في أفغانستان عامي 2010-2011.

غير أن هذا الفيلم لا يمكن أن يبرر العنف الذي اندلع في بنغازي والقاهرة، ولكن جونز وصادق وكائناً من كان في الوقوف وراء هذا الفيلم، ألحقا ضرراً حقيقياً بمصالح الولايات المتحدة والمبدأ الجوهري الذي تعتمده، والقائم على احترام كل الأديان.

إن أسوأ شيء يمكن أن يحدث الآن، هو أن تنأى الولايات المتحدة عن التزاماتها بالعمل مع ليبيا ومصر، وهما تحاولان بناء مجتمعين مستقرين. وقد لقي عدد من رجال الأمن الليبيين مصرعهم وهم يحاولون إنقاذ الدبلوماسيين الأميركيين في بنغازي.