تصعب رؤية فائز واضح يخرج من الحرب الأهلية المتزايدة في اتسامها بالطابع الدموي في سوريا، حيث اعترف الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا، بأن حكومته تحتاج مزيدا من الوقت "لكسب المعركة" ضد الميليشيات التي تتصدى لقواته. وقد فعل ذلك فيما كان القصف المدفعي يدوي في أرجاء دمشق وحلب، وكانت أجزاء واسعة من البلاد قد وقعت تحت سيطرة الثوار. وعلى الرغم من تفوقها في القوة النارية، فإن القوات الحكومية السورية تتعرض لهجوم مستمر.
وقد لا يكون الأسد في غمار إحراز الفوز، ولكن ليس هناك مؤشر إلى انهيار نظامه، على الرغم من انشقاق رئيس الوزراء السوري واغتيال قادة أمنيين بارزين. والوضع مختلف جدا عن الوضع الليبي، حيث انهار دعم الزعيم الليبي السابق معمر القذافي فجأة في العام الماضي، تحت وطأة غارات "ناتو" الجوية وعزلته الخاصة، وليس بفعل الضغط من جانب الثوار.
وأظهر الثوار السوريون أنهم يستطيعون الاستيلاء على أحياء كاملة من دمشق وحلب، إلا أنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها. وفي حين أنهم يمكن أن يفوزوا على المدى الطويل، فإن ذلك قد يحدث في المستقبل البعيد، بعد أن يقتل عشرات الألوف من السوريين. وتشير آخر الأخبار حول مجزرة "داريا"، إلى أن كلا الجانبين يشعر الآن بأنه يستطيع ذبح أضعف أنصار عدوه، وهناك احتمال كبير بأن يتفاقم سفك الدماء.
وأحد الأسباب الكامنة وراء حقيقة أن الحرب السورية دموية للغاية، ويمكن أن تستمر لفترة طويلة، هو أنها في الحقيقة ثلاثة صراعات مغلفة في صراع واحد. فهناك نضال الشعب السوري ضد الحكومة، والمواجهة بين العلويين والسنة، وبين حلفاء إيران وخصومها.
وفي حواره التلفزيوني الأخير، استبعد الأسد فكرة إنشاء "ملاذات آمنة" للاجئين على الأراضي السورية. ومن الصحيح أن إنشاء تلك الملاذات والدفاع عنها، سيعني على الأرجح نزاعا مسلحا بين سوريا وتركيا. وفي هذه المرحلة، يعتقد كل من عناصر الحكومة والثوار أن لديهم فرصة لتحقيق نصر واضح، مهما كانت تلك الفرصة مستبعدة. ولا يمكن لسائر دول العالم أن توقف الحرب، ولكن ينبغي لها أن تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون انتشارها إلى لبنان، وزعزعتها لاستقرار بقية المنطقة.
ومن جهة أخرى، فإنه من المنطقي أن نفترض أن مزاعم القاعدة بلعب دور قيادي في النضال من أجل إسقاط نظام الأسد، مبالغ فيها. ولكن وجود خلاياها الانتحارية، بأعلامها البيضاء والسوداء المميزة، في صفوف الثوار الأمامية، لا يبعث حتما على الثقة بأن سوريا ما بعد الأسد ستروق للغرب. وهذا هو أحد الأسباب وراء امتناع جميع الدول الكبرى الغربية، بما فيها فرنسا، عن تسليح الثوار.
وفي حين أن الإخوان المسلمين قد لا يتبعون الأجندة البغيضة نفسها التي يتبعها متعصبو القاعدة، فإنه من المستبعد جدا أن إنشاء حكومة إسلامية في دمشق، سيجعل موقف سوريا من الغرب أفضل مما هو عليه في ظل النظام الحالي.