بعد تسع سنوات من تعرض راشيل كوري، ناشطة السلام التي كانت تبلغ من العمر 23 ربيعاً، للسحق تحت جرافة عسكرية إسرائيلية في رفح، عمد قاض في حيفا إلى تبرئة إسرائيل من أي مسؤولية عن مقتلها، أو عن عدم فتح تحقيق كامل وذي مصداقية.
وفي إطار تأييده للخرافة القائلة إن وفاتها كانت حادثاً مأساوياً، لم يبتعد القاضي عن الرواية الرسمية الإسرائيلية. فقد وجد أن السائق لم ير ناشطة السلام في سترتها بالغة الوضوح، ووجد أن التحقيق العسكري، الذي أثار غضب السفير الأميركي (نظراً لأن المحققين الذين تم تعيينهم في البداية كانوا يبلغون 19 عاماً من العمر، وفشلوا مراراً في الحصول على إفادات من الشهود، وفي متابعة التناقضات في الأقوال، بل وفي إصدار خرائط لموقع الحادث)، يتسم بالمصداقية والشمولية على حد سواء. ومرة أخرى، تغلب الإفلات من العقاب على المساءلة.
لقد قتلت راشيل كوري أثناء محاولتها حماية منزل فلسطيني من الهدم، وفي ذلك الوقت كان الجيش الإسرائيلي قد هدم 1700 منزل في رفح، وهو الإجراء الذي ذكرت جماعات حقوق الإنسان أنه كان بمثابة عقوبة جماعية عن التفجيرات الانتحارية الفلسطينية.. وكانت تلك ذروة الانتفاضة الثانية.
ولم يكتف حكم قاضي حيفا بتمويه مقتل كوري فحسب، بل امتد إلى أبعد من ذلك، حيث أفاد بأنه نظراً لأن الجرافة كانت جزءاً من «عملية قتالية»، فإن أي مدنيين ـ سواء فلسطينيين أو أميركيين ـ كانوا في المنطقة لم تكن لهم حقوق، وذلك لأنه لم يتعين عليهم أن يكونوا هناك. وكانت كوري، في نظر المحكمة، درعاً بشرية تحمي مجموعة من الإرهابيين.
ولم تكن راشيل كوري الضحية الوحيدة، فبعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الانتفاضة، قتل ما يزيد على 400 طفل على يد الجيش الإسرائيلي، منهم كثيرون قتلوا في ظروف لم تتضمن أي قتال. وكانت عائلة راشيل كوري أول من اعترف بأن العائلات الغزاوية التي فقدت أبناءها، لم تحظ بأي فرصة لاتخاذ إجراءات قانونية ضد إسرائيل. وحتى لو كانت لديها الوسائل اللازمة للقيام بذلك، فقد عدلت إسرائيل قوانينها لغرض وقف أية إجراءات مدنية مماثلة لتلك التي اتخذتها عائلة كوري.
ولمعالجة الأحكام المتكررة التي صدرت عن المحكمة الإسرائيلية العليا وضيقت تعريف النشاط القتالي، فقد مرر الكنيست الإسرائيلي تعديلاً للقانون في ما يتعلق بمطالبات التعويض، موسعاً نطاق ذلك التعريف. ولن يتمكن سكان أي منطقة تعدها إسرائيل من أراضي العدو، كما هي الحال بالنسبة لغزة، من تقديم شكوى من ذلك النوع. لذا فإن الشكل المحدود من أشكال الانتصاف القانوني الذي حظيت به عائلة كوري في هيئة دعوى مدنية، لم يعد متاحاً الآن.
ويترك كل من راشيل كوري، وتوم هيرندال، وبريان أفيري، وكاويمهي باترلي ـ الذين إما قتلوا أو أصيبوا بجروح بالغة بينما كانوا يشهدون على ما يحدث للمدنيين في مناطق القتال الإسرائيلية - وصمة عار لا يمكن لأي محكمة أن تمحوها.