تعيد أميركا تحديد نفسها في كل جولة انتخابات، ولكن على مر العقود، تبقى حقيقة ثابتة وحيدة: يتعهد المرشحون للرئاسة الأميركية بالتركيز على بناء الأمة، ثم بمجرد دخولهم المكتب البيضاوي، يقومون بـ"بناء الأمم" في الخارج. ففي عام 1992، أعطى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون الأولوية للاقتصاد، ليضطر بعد ذلك إلى التدخل في الصومال والبوسنة وهايتي وكوسوفو.
وفي عام 2000، خاض بوش الابن السباق الرئاسي ضد مفهوم بناء الأمة، ووعد بسياسة خارجية "أكثر تواضعا".
إلا أن بوش، بعد أحداث 11 سبتمبر، غير رأيه وشرع في بناء الأمة في أفغانستان والعراق. وفي عام 2009، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما، رداً على تصرفات بوش: "إن الأمة التي أكترث لبنائها بحق هي أمتنا".
ولكن حتى أوباما واصل بناء الأمة في أفغانستان، وساعد الصومال على تأسيس أول حكومة فعالة لها منذ 20 عاماً، وقدم معونات بمليارات الدولارات لباكستان الضعيفة والخطرة. وأحدث مشاريعه هو اليمن، حيث يتعهد بتعزيز "الحكم والتنمية".
وقال جيريمي سوري، وهو مؤرخ من جامعة تكساس ومؤلف كتاب "الحارس الأضمن للحرية: البناء الأميركي للأمم بدءاً من المؤسسين ووصولًا إلى أوباما": "يعتبر بناء الأمة الطريقة الرئيسية للتفكير في صالح الأميركيين عند مواجهتنا للتهديدات وبقاع العالم التي تسبب لنا الأذى". أو كما قال روبرتس غيتس، وهو وزير دفاع بوش وأوباما: "سيعتمد أمن الشعب الأميركي بشكل متزايد على قدرتنا على تجنب التمرد المقبل أو إيقاف انهيار دولة فاشلة أخرى".
وباعتبارها أمة قامت على المثل الكلية، فإن أميركا تميل أيضاً إلى زرع تلك المثل العليا في أراض أخرى، من الفلبين في أوائل القرن العشرين، إلى اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى اليمن اليوم. وقد رأى الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون، ضرورة تحول العالم إلى "مجتمع من الدول".
وهذا المزيج الأميركي من الإيثار والدفاع عن النفس، الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من مفهوم بناء الأمة، يجعل هذا المفهوم موضوع حملة صعباً، لا سيما في الأوقات الاقتصادية العصيبة وفي ظل جيش منهك. وحتى الآن، لم يتشاجر ميت رومني وأوباما حول هذه المسألة، إذ تلتزم قاعدة أوباما الليبرالية الحذر في ما يتعلق ببناء الأمة، فيما ينقسم الجمهوريون بين انعزاليي حزب الشاي وجناح الأمميين "الواقعي".
وينبغي لإحدى المناقشات الرئاسية المقبلة أن تركز على بناء الأمة، ويتعين على الحملات الانتخابية أن تساعد الأميركيين على إيجاد أرضية براغماتية مشتركة، وتوازن بين الاحتياجات الأميركية الداخلية والتحديات الكامنة في مساعدة الدول المتعثرة.
والآن، ينبغي للناخبين أن يكونوا قد عرفوا أن تعهد مرشح ما بتجنب "الورطات الخارجية"، وهو ما حذر منه الرئيس الأميركي الأسبق جورج واشنطن، قد لا يتم الإيفاء به دائما، إذ تصعب معرفة متى سيحتاج العالم مجدداً إلى الولايات المتحدة باعتبارها الطبيب المداوي.
ولكن بناء الأمة يظل جزءاً مما يحدد أميركا، سواء لنفسها أو لغيرها.