أظهر الرئيس المصري المنتخب حديثاً محمد مرسي، لكبار ضباط الجيش أين تكمن القوة الحقيقية؛ ليس في السلاح، وإنما في شعب حر يحكم نفسه بنفسه. ومنذ فترة وجيزة، أقال الرئيس مرسي القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي، فضلاً عن ضباط كبار آخرين.
وكان العديد منهم قد أمضى وقتاً طويلاً في خدمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وهو الدكتاتور الذي تمت الإطاحة به العام الماضي، وكانوا قد فرضوا قيوداً خطيرة على الديمقراطية الفتية، مثل حق الاعتراض على صياغة الدستور.
ويشكل الإشراف المدني على الجيش ركيزة أساسية بالنسبة لأية ديمقراطية، وتساهم خطوة الرئيس مرسي في ترسيخ ذلك المفهوم في المجتمع المصري، الذي خضع لحكم قادة الجيش على امتداد 60 عاماً.
وفي حين أن الصراعات القائمة مع الجيش خلف الكواليس يمكن أن تستمر، فإن هذه الخطوة تمثل منارة للشعوب العربية الأخرى، التي لا يزال حكامها يعتمدون على السلاح لإضفاء الشرعية، على الرغم من أن العرب اليوم أصبحوا أقل خوفاً من الدفاع عن الفضائل المدنية، ومنها حقوق الفرد.
لقد عمل مرسي، على الأرجح، مع ضباط صغار لتحقيق ما سمي بالانقلاب الناعم، وقد تمت ترقيتهم. وقد ساعده أيضاً هجوم 5 أغسطس الذي شنه عدد من المتشددين على حدود سيناء مع إسرائيل، مما أسفر عن مقتل 16 جندياً مصرياً، فبدا الجيش ضعيفاً.
ولم يقم مرسي بإهانة الضباط الكبار المخلوعين تماماً، إذ حظي معظمهم بألوان التكريم ووظائف في مؤسسات تتعلق بالأمن أو كمستشارين رئاسيين. ويشير هذا إلى أن القادة العسكريين الجدد، لا يزالون بحاجة إلى بعض المشورة في السياسة الخارجية، بما في ذلك علاقات مصر مع إسرائيل، وتلقيها لمساعدات عسكرية بقيمة مليار دولار سنوياً من الولايات المتحدة.
وحتى الرئيس المصري نفسه، وهو من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، يعرف جيداً أن الجيش والإسلاميين على حد سواء يواجهون قوة كبيرة في مصر؛ صحوة تحث الشعب على محاسبة قادته. ولا يمكن للجيش ولا للطغيان الكنسي، دفن هذه الرغبة الشعبية في أن تدار الحكومة بشفافية ونزاهة.
ومع تهميش الجيش باعتباره قوة حاكمة إلى حد كبير، فإن كل الأنظار في مصر تتركز على الخطوات المقبلة في إطار الربيع العربي لهذه الدولة: صياغة الدستور، وتطهير المحاكم، وانتخاب برلمان جديد. وإذا تجنبت جماعة الإخوان المسلمين استخدام اليد الثقيلة في هذه الخطوات، وأحرزت تقدماً في الاقتصاد، فمن المحتمل أن تحظى بتأييد شعبي. وينبغي لشرعيتها أن تأتي الآن من الشعب، وليس من أي مطالبة بالسلطة الدينية.
وفي حال كان لهذه الحركة الأخيرة في مصر، وكذلك لأحداث تونس، أي صدى، فقد سُمع في مؤتمر صحافي عقده أخيراً رئيس الوزراء السوري الذي انشق منذ فترة وجيزة، حيث دعا رياض حجاب الجيش السوري للانضمام إلى الثورة الديمقراطية، قائلاً: "إنني أحث الجيش على أن يحذو حذو الجيشين المصري والتونسي، ويقف في صف الشعب".