يسود اعتقاد في سوريا مفاده أنه يمكنك أن تكتب عن كل ما تريد، لكن دون أن تمس السياسة أو الدين. بالنسبة للسوريين، كان النقاش المفتوح حول السياسة أمرا يدور في أذهان قلة من الناس هناك. فقبل اندلاع الثورة الحالية، كان التمكن من الحصول على وظيفة جيدة، رغم الكسب غير المشروع المعيق والفرص الضئيلة، مصدر قلق أكثر إلحاحاً.

وخلال فترة ما قبل مارس 2011، كان أبناء الغالبية العظمى من السوريين يخفضون رؤوسهم عما يجري، ويتمتعون بالحياة ما استطاعوا. وفي المناطق الغنية في سوريا، كانت تتم التضحية بالسياسة والنقاش المفتوح برضى نفس، مقابل تحقيق الأمن الاقتصادي، وأن الأطفال يستطيعون اللعب في الشوارع.

وقبل الانتفاضة السورية، شيدت المراكز التجارية بالطراز الغربي في مدينتي حلب ودمشق، وشيد مركز في ضواحي مدينة حمص، وقدمت البنوك الخاصة الجديدة الائتمان الرخيص لآلاف الشبان والشابات، الراغبين في شراء المنازل والسيارات والزواج، وتم افتتاح بورصة دمشق للأوراق المالية عام 2009، وانتشرت ثقافة مقاهي البحر الأبيض المتوسط في المدن الكبرى.

ولكن كان هناك أيضا غضب ناشئ رصده قلائل من السوريين الموسرين، حيث أصبحت الضواحي حول مدن حلب ودمشق ودرعا، تعج بالمزارعين والعمال النازحين من منطقة الجزيرة السورية إلى الشرق، وفرّ مئات الألوف من جفاف امتد لثلاث سنوات منذ عام 2008، وجاؤوا إلى المدن بحثا عن عمل، وانتقلوا إلى مدن القابون وحرستا ودوما، وهي المناطق التي نسمع عنها اليوم.

الغطرسة الوحشية التي اعتمدها النظام السوري ضد الانتفاضة الحالية، كانت تعني أنه محكوم عليها بالفشل منذ بداية الثورة. فقد كانت هناك طريقة للبقاء في السلطة في حال مشاركته في حوار جاد مع المجتمع السوري منذ البداية، وأخذ شكاوى الفقراء على محمل الجد.

وكان النظام يحظى بشعبية نسبياً قبل الثورة، ونظر السوريون شرقا وغربا إلى العراق ولبنان، معتبرين أن الاستقرار الذي يحظون به نعمة، وعملت معارضة النظام السوري الخطابية لإسرائيل على توحيد الكثيرين من حوله.

لكنه اختار طريق البندقية، واختار قمع الآلاف الذين ليست لديهم الوظائف أو المال، واستخدم الأسلحة والتعذيب ضد هؤلاء الناس. وضحى أبناء الشعب السوري بحياتهم في محاولاتهم لإسقاط الدكتاتور، فلن يقبلوا على الأرجح بشخص آخر يحل محل الرئيس الأسد. فإذا لم تستطع الحكومات السورية في المستقبل أن توفر المياه والكهرباء وفرص العمل، حينئذ سوف يتم إقصاؤها أيضاً.

وإذا لم يكن بمقدور رموز المعارضة الحالية أن يتصرفوا وفقاً لما يتحدثون عنه لسنوات، فسيتم تهميشهم. وعلاوة على ذلك، فإن أي تشبيه بلبنان والعراق هو أمر ليس في محله. فقد تم خوض الصراعات الأهلية في العراق ولبنان، بين مجموعات سكانية ذات أعداد متساوية نسبيا. أما في سوريا، فإن 10% فقط (وهم العلويون) سوف يشعرون على الأرجح بالتهديد بما يكفي لحمل السلاح.