من بين كل التفسيرات حول السبب في أنه لم تتم الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد بعد، ربما يكون أهمها هي المعارضة السورية. فقد ساهم عجزها المستمر عن توحيد صفوفها في امتداد أمد الانتفاضة إلى حد كبير، والتي استمرت وقتاً أطول من أي دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط.
بالطبع فإن هذا لن يقلّل من احتمالات كبيرة تتراكم ضد المعارضة. ذراعها العسكرية الجيش السوري الحر، يقاتل برغم كل شيء آلة الأسد واستراتيجيته القائمة على مبدأ فرّق تسُد بدعم دولي محدود.
وعلى الرغم من هذا الواقع، فإنه لا ينبغي أن يحجب الحقيقة القائلة إن أداء المعارضة السياسية في سوريا حتى الآن كان مروعاً، وسلوكها في أكثر الأحيان كان يأتي بنتائج عكسية. وتعد المعارضة السياسية، وتحديدا المجلس الوطني السوري ليست حالة ميئوس منها ولكنها بوسعها القيام بما هو أفضل من ذلك بكثير وينبغي عليها ذلك. وهذا أقل ما يستحقه الشعب السوري.
المرء ليس مضطراً لأن يكون خبيرا في الشأن السوري أو يكون على دراية بحال المعارضة السورية لمعرفة ما تواجهه من متاعب عميقة. فلنتأمل هذه القصة:
في محاولاتها للتخطيط لمرحلة ما بعد الأسد، طرحت ثلاث مجموعات معارضة سورية منفصلة، أخيراً، مقترحات مختلفة لتشكيل حكومة انتقالية. يحاول هيثم المالح، وهو ناشط محنك ومعارض منذ فترة طويلة ورئيس مجلس أمناء الثورة السورية وكان سابقاً عضواً في المجلس الوطني السوري (استقال بسبب معارضته لتكتيكات المجلس الوطني)، تشكيل حكومة انتقالية في القاهرة قوامها شخصيات تكنوقراطية. إلا أن جهوده قوبلت بانتقادات شديدة من قبل المجلس الوطني السوري، الذي يجري أعضاؤه محادثات لتشكيل حكومة انتقالية مختلفة.
وأعرب الجيش السوري الحر عن رفضه بشدة لكل المبادرات، ودعا بدلاً من ذلك إلى إنشاء مجلس أعلى للدفاع يضم شخصيات عسكرية ومدنية. ووجّه زعيم الجيش الحر العقيد رياض الأسعد بعض الانتقادات القاسية ضد المجلس الوطني، قائلاً إنه يتألف من الانتهازيين الذين يريدون "الركوب على ثورتنا والتجارة بدماء شهدائنا".
يؤكد واحد من كبار أعضاء المجلس الوطني الأعلى أنه لا توجد انقسامات بين جماعات المعارضة والمجلس الوطني الأعلى وغيرها. فهم يصفونها بأنها اختلافات طبيعية. لكن هذا هراء. هناك انقسامات حقيقية في الصفوف التي عرقلت العمل الجماعي الفعال، وهذه الانقسامات لم تمر مرور الكرام دون أن يلاحظها أحد من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين والعرب.
ما الذي تسبّب في هذه الانقسامات؟ لقد ذهب الكثيرون إلى القول إن أعضاء المعارضة، وعلى وجه التحديد المجلس الوطني السوري، غير محنكين سياسياً بسبب القمع المستمر منذ عقود على يد النظام السوري. لذا فهم يخطئون في تعاملهم مع بعضهم البعض. ولم ينتهجوا حتى ثقافة التفاوض.