معركة طاحنة تدور رحاها في مصر حاليا، فالرئيس المصري الجديد محمد مرسي يكتشف أن الفوز بالانتخابات الرئاسية شيء، والتصرف كرئيس عقب انتخابه شيء آخر.

واستعادة السلطات التي تولاها المجلس الأعلى للقوات المسلحة بواسطة مرسومين صدرا قبل الاقتراع الرئاسي وبعده، تبرهن على أنها عملية على القدر نفسه من الإجهاد والتوتير، كما الثورة التي حدثت منذ 18 شهرا وأطاحت بالرئيس المصري السابق حسني مبارك.

وقد أمر مرسي مؤخرا مجلس الشعب بالانعقاد، منقلبا على حكم أصدرته المحكمة الدستورية يقضي بحله، وأعادت المحكمة تأكيد الحكم. واجتمع مجلس الشعب لخمس دقائق قبل رفع الجلسة، لحين البت في استئناف الحكم.

والدراما الأخيرة سوف تتركز على الجمعية التأسيسية التي ستكتب الدستور المقبل للبلاد، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة سبق أن حذر من أنه من المرجح أن يحل غيرها محلها، إذا "واجهت عقبات" تمنعها من إكمال أعمالها.

وهذا قد يحصل حسب الأصول، عندما يقوم القضاء الإداري المصري بمراجعة القضية المرفوعة وكان هناك تدخل من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي صرحت بأن أميركا دعمت "الانتقال الكامل إلى الحكم المدني مع كل ما يستتبع ذلك"، علما بأن قوة أميركا محدودة في التأثير على ما يقوم به قادة العسكر، رغم المال الذي يحصل عليه هؤلاء من الكونغرس الأميركي.

والعامل الثاني الذي يعيق أميركا، هو انقسام النخبة غير العسكرية في مصر حيال السلطات التي يحاول الرئيس جاهدا الحصول عليها للمؤسسات التي يهيمن عليها الإخوان المسلمون، مثل مجلس الشعب.

وبمعزل عن مدى الإعجاب بالأمر من عدمه، فإن الرئيس من خلال توجيه ضربة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، يوجه ضربته أيضا نحو الجسم القضائي، الذي ينقسم كبار القضاة فيه مثل الجميع حول شرعية مراسيم الرئيس.

وفي هذه المعركة، فإن كل شيء ما زال معلقا في الفضاء؛ مجلس الشعب وصلاحية التشريع، والجمعية التأسيسية وسلطة صوغ الدستور المقبل، والمحكمة الدستورية ومبدأ حكم القانون. وبقدر ما يحكم الرئيس بالمراسيم، بقدر ما يخاطر باستبعاد شركائه السياسيين المستقلين، تحت المظلة الواسعة للتحالف السياسي الذي يزعم إقامته بوصفه رئيسا.

ويتعين عليه السير على خط رفيع بين تقليص سلطات قادة العسكر المستمرين في التدخل في عملية الانتقال إلى الحكم المدني، وبين الحفاظ على شركائه العلمانيين والمسيحيين في الحكومة إلى جانبه، وإلا فإنهم سيتحولون عنه معتبرين أن جماعة الإخوان تمسك بالسلطة لمصلحتها لا أكثر ولا أقل.

ومع تصاعد حدة التوتر السياسي، يصعب أكثر بالنسبة للرئيس المنتخب حديثا القول إنه لا يكسب سلطات لصالحه، بل يعيد توزيعها.

ويتعين على الثورة الحفاظ على وحدتها، كما يتوجب على قادة المجلس أن ينظروا إلى الكتابات على الجدران. وبدلا من قيام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإصدار بيانات سوداء حول عدم سماحه لـ"جماعة محددة"، أي جماعة الإخوان، بالهيمنة على البلاد، يتعين عليه أن يأخذ قرارا استراتيجيا.

ولديه الحوافز الكافية لإجراء تراجع مشرف، والحفاظ على سمعته دون مساس كحام للوطن. وعليه أن يرى في الوقت الراهن لحظة مناسبة للانسحاب، وليس لإطلاق حملة أخرى لا يمكنه الفوز بها في المدى الطويل.