موجة أعمال العنف التي اجتاحت مؤخرا 19 مدينة عراقية، مسفرة عن مئات القتلى والجرحى، شكلت صدمة كبيرة بالنسبة إلى المجتمع الدولي. وتسهم حصيلة الضحايا تلك، التي تعد الأكبر في العراق على امتداد عامين، في تسليط الضوء على عواقب حرب العراق، وينبغي أن تشكل رسالة تحذير بالنسبة إلى أولئك الذين لم يزالوا حريصين على تغيير نظام آخر بالقوة في الشرق الأوسط. وحملت أعمال العنف الأخيرة، التي جاءت بعد أن هدد تنظيم القاعدة بأنه سيحاول استعادة الأراضي المفقودة، بصمة هذه الجماعة المتشددة.

ولكن الاكتفاء بإدانة قسوة الإرهابيين وتذكير المجتمع الدولي بالمهمة الشاقة المتمثلة في اقتلاع الإرهاب، لا يفي بالغرض.

وفي حقيقة الأمر، فقد سقط العراق في مستنقع من عدم الاستقرار السياسي والانقسام الطائفي والعنف، منذ أن سحبت الولايات المتحدة قواتها منه في ديسمبر الماضي. وعندما أنهى الرئيس الأميركي باراك أوباما الحرب على عجل، أشاد بالانسحاب باعتباره لحظة نجاح و"إنجازا استثنائيا" بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وفي إطار ترويجه لسجله الحافل بالنجاح في مجال السياسة الخارجية، لم يتردد أوباما في تصنيف سحب القوات من العراق باعتباره أحد إنجازاته العظيمة.

 لقد تم تغيير النظام في العراق، ومع ذلك فإن ما حدث قبل أيام (واستمرار حدوثه منذ انسحاب الولايات المتحدة) يثبت أن هذا البلد لا يزال بعيدا كل البعد عن الأمن والاستقرار.

وخلافا لمزاعم بعض المسؤولين الأميركيين بقدرة العراق على التحكم في وضعه الأمني، فإن السلام والاستقرار لا يزالان يعتبران ترفا بالنسبة إلى أفراد الشعب العراقي، الذين غالبا ما باتوا يمثلون أهدافا للعنف. ويعد العراقيون، إلى حد كبير، ضحايا للتدخل الأجنبي. فهم يدفعون وسيظلون يدفعون ثمنا باهظا لقاء ما يسميه أوباما "الحرب الغبية"، لأنه لا أحد يعرف متى سينتهي كابوسهم.

ويكفي الواقع القاسي الذي يعيشه العراق، لتحطيم فرضية التدخل الخارجي غير المبرر بهدف تغيير النظام بالقوة، بصرف النظر عما قد يكون هناك من أعذار.

ويمكن لأية محاولة لفرض تغيير نظام مماثل في سوريا، مثلاً، ألا تأتي بنتائج عكسية فحسب، وإنما أن تفضي أيضا إلى سلسلة من ردود الفعل غير المرغوب فيها.

ومن جهة أخرى، فقد دانت الولايات المتحدة بشدة سلسلة الهجمات التي شهدها العراق في الآونة الأخيرة، وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند: "لطالما اعتبر استهداف الأبرياء تصرفا وضيعا، وهو يستحق الشجب، خصوصا خلال شهر رمضان الفضيل".

وأضافت: "تكمن القضية هنا في التكتيكات المرعبة التي يتبناها تنظيم القاعدة في العراق، الذي يبذل، خلال شهر رمضان الجاري، جهودا مضنية لدعوة السنة إلى الانقلاب ضد حكومتهم، واغتيال القضاة والمحققين، والانقلاب، عموما، على كل هذه المؤسسات الديمقراطية".

 إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية منع تكرار مآس مماثلة لما حصل ويحصل للعراق، في أي مكان آخر من العالم، إذ يشير درس العراق إلى أن التغيير القسري للأنظمة يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على المنطقة، وأنه يهدد الأمن العالمي، ويثبط الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.