تمثل الاضطرابات الدامية في سوريا، التي تسيء إلى إحساس الأميركيين بالعدالة والحرية بقدر ما تضر بمصالحهم الوطنية، مشكلة تتحدى، في ما يبدو، جميع الحلول.
ويدعو كل من المثقفين والسياسيين وخبراء السياسة الخارجية، إلى تجديد التركيز على الدبلوماسية والتخطيط للانتقال إلى الديمقراطية، ومع ذلك فإنه بينما يخيم الدخان الأسود على دمشق وتدير الأمم المتحدة عجلاتها، يصعب إدراك أي النهجين يحرز تقدما أكبر، ولعل الوقت قد حان للنظر في خيارات أخرى.
ومنذ أيام قليلة، عارضت روسيا والصين - للمرة الثالثة ـ مشروع قرار في مجلس الأمن، كان من شأنه أن يؤدي إلى فرض عقوبات ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذا ما استمر في انتهاك خطة السلام التي وضعتها الأمم المتحدة، عبر المبعوث المشترك كوفي عنان.
ويمكن للعقوبات أن تشكل أداة سياسة خارجية فعالة، ويتعين على المجتمع الدولي الاستمرار في محاولة فرضها. إلا أن المعركة صعبة في سوريا، إذ ترتبط المصالح المالية والاستراتيجية الروسية ارتباطا وثيقا بنظام الأسد، ومن المستبعد جدا أن تتراجع موسكو الآن.
ويأتي أحدث فشل دبلوماسي، في أعقاب أوضح دليل حتى الآن على أن الرئيس السوري بشار الأسد يفقد قبضته على السلطة، إذ إن التفجير الذي شهدته العاصمة السورية دمشق مؤخرا، لم يقتل ثلاثة من كبار مسؤولي النظام فحسب، بل إنه أثبت بشكل قاطع أن أجهزة الدولة الأمنية ليست منيعة، الأمر الذي يعد انتصارا نفسيا من شأنه أن يزيد الثوار حماسة واندفاعاً.
وتشهد سوريا حرباً أهلية تعتبر في جانب منها صراعاً من قبل أغلبية محرومة ضد نظام استبدادي، وفي الجانب الآخر يأخذ النزاع بعدا طائفيا بين السنة والأقلية العلوية التي تقود إدارة البلاد.
وفي حين أن الأسد، الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية، يشكل، بالطبع، موضع التركيز الرئيسي للتوترات، فإن هذا الصراع يمكن ألا ينتهي بسلام، حتى لو تنحى عن منصبه.
فالعلويون وحلفاؤهم لا يخشون فقدان السلطة الذي من شأنه أن ينجم عن سيطرة السنة فحسب، ولكنهم يخشون أيضا مواجهة تهديد لحياتهم وسبل عيشهم، فيما يتولى شعب عانى طويلاً من الاضطهاد زمام السيطرة.
ويمثل الانتقال إلى هذا النوع من حكم الأغلبية، بالضرورة، هدف المجتمع الدولي. ومع ذلك، فإنه ما لم يتم التوصل إلى طريقة ما لحماية الأقلية العلوية وضمان عدم حرمانها من المشاركة في الحكومة مستقبلاً، ودعمها بقوة وضمانات دولية، فإن القتل يمكن أن يستمر في سوريا لبعض الوقت. وهذا يعني مزيداً من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو الاحتمال الذي يضر بالمصالح الأميركية إلى حد كبير.
ولعل هذه القضية الطائفية تحصل على أقل مما تستحق من الاهتمام، لأن العلويين، في نظر الكثيرين، هم الأشرار، فلم ينبغي على المجتمع الدولي أن يركز على حمايتهم؟
إن الإجابة تنطوي على مزيج من العدالة والتطبيق العملي؛ فالعمليات الانتقامية العنيفة نادرا ما تكون رداً عادلاً على اضطهاد ماض، وفي غياب ضمانات إضافية، سيصعب تصور وضع نهاية سلمية لهذا الصراع.
