لقد مر 16 شهرا على اندلاع الانتفاضة السورية، وما يشهده كل يوم من خسائر في الأرواح يندرج حتما في خسائر يوم آخر. ولكن الأربعاء الماضي كان مختلفا، وذلك لسببين؛ أولهما أن القتال استمر حتى يومه الثالث في قلب دمشق، مثبتا أن الجيش السوري الحر يستطيع الآن الصمود أمام قوات تتفوق عليه في كل شيء. وثانيهما أن الصراع، وللمرة الأولى، وقع على مقربة من الرئيس السوري بشار الأسد.

ولم يكن الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد حاشية الأسد في العاصمة السورية فحسب، وإنما في المقر الرئيسي للأمن القومي، وهو المعقل داخل المعقل.

وفي حين أن وفاة أي من مساعد نائب الرئيس العماد حسن تركماني، أو وزير الدفاع العماد داوود راجحة، أو وزير الداخلية محمد الشعار، الذي أشار بعض التقارير إلى مقتله، فيما أشارت أخرى إلى إصابته بجروح، كانت ستشكل لحظة هامة، فإن مقتلهم جميعا يحدث ثقبا في قلب الحكومة. ولكن الأهم من ذلك كله هو فقدان نائب راجحة آصف شوكت، وهو مهندس الحملات القمعية، والرجل الذي، بصفته صهر الرئيس السوري، اندمج في عشيرة الأسد التي حكمت سوريا على مدى أربعة عقود.

وسرعان ما تم الإعلان عن التعيينات البديلة، للتذكير ـ في حال كانت هناك حاجة لذلك - بأن نظاما يحافظ على احتكاره للقوة الجوية والمدفعية الخطيرة، لا ينوي رفع الراية البيضاء. والحقيقة المروعة بالنسبة للشعب السوري، هي أنه سيشهد على الأرجح المزيد من إراقة الدماء مستقبلا. ولكن حتى أكثر وجوه النظام الجديدة قسوة، لا يسعه فعل الكثير حيال عدد من الحقائق غير الملائمة.

 فقبل أسبوعين، كانت هناك شوارع في دمشق بدا فيها الحديث عن أهوال حمص كتقارير مرسلة من بلد آخر. ولكن بعد أن اعتبرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ما يجري في سوريا حربا أهلية، خرجت الدبابات إلى شوارع دمشق، وشهدت الثكنات التي تحرس القصر الرئاسي مناوشات خطيرة وحريقا لم يقدم تفسير له.

وحتى الآن، فإن النظام السوري يحظى ببعض الدعم الحقيقي. ويمكن لتصعيد الطائفية أن يعزز ذلك الدعم بين أوساط الأقلية العلوية، التي تنحدر منها عائلة الأسد، إلا أن تلك العائلة كانت تستمد قوتها من تحالف أوسع، ضم أكرادا ومسيحيين وأجزاء من الطبقة الوسطى السنية.

وقد ضيقت الانشقاقات الأخيرة هذه القاعدة، حيث انشق أخيرا سفير سوريا السني إلى بغداد نواف الفارس، تماما كما فعل مناف طلاس، وهو عميد ينتمي إلى أقوى العائلات السورية السنية.

كما ضيقت عمليات القتل التي وقعت يوم الأربعاء الماضي دائرة الحكم، إذ كان العماد راجحة مسيحيا أرثوذكسيا، فيما كان الجنرال تركماني ينتمي إلى عائلة سنية قوية أخرى. إن خطة مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي عنان الحكيمة للسلام، لم تعد تصلح بسبب تغير الأحداث.

ولا أحد يعرف ما إذا كان قد تم الوصول إلى نقطة اللاعودة، غير أن الفصل الأخير من هذه التراجيديا الرهيبة، يمكن أن يأتي أسرع بكثير مما كنا نعتقد قبل بضعة أيام فقط.