برزت تونس باعتبارها نموذجا للتغيير الديمقراطي السلمي نسبيا، وسط الاضطرابات العربية. غير أن الضجة المثارة تحت السطح مباشرة، بدءا من الاضطرابات العمالية المتماوجة وانتهاء بأعمال الشغب السلفية المتفجرة التي اجتذبت شبابا مهمشا وغاضبا، تمثل علامة واضحة على أن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للربيع العربي لم تتراجع.
وفي حين أن الثورة جلبت تغييرات سياسية كبيرة، فإن الخراب الاقتصادي الذي خلفه الصراع، إضافة إلى الآثار الجانبية للانكماش الاقتصادي الأوروبي، تساهم في تقويض الثقة في الحكومة الجديدة. وحذر الرئيس التونسي منصف المرزوقي مؤخرا من أنه ما لم يتم إصلاح أولوية تونس الجديدة، أي اقتصادها، فستكون هناك "ثورة داخل الثورة".
ولا تقف تونس حتى الآن على حافة "ربيع عربي" كامل آخر، ولا يرغب أي من الأحزاب السياسية الكبرى أو كبار العمال، في خوض مواجهة أخرى. ولكن من أجل احتواء تصاعد الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية، فإنه يتعين على رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي وفريقه أن يعالجوا ثلاث قضايا رئيسية؛ أولاها معالجة البطالة، لا سيما تلك المتفشية بين خريجي الجامعات، الذين ينزلون إلى الشوارع منذ يناير 2011.
والثانية أن تعالج الفوارق الإقليمية الصارخة، التي تحرم المناطق الداخلية وشبه الحضرية من التنمية الاقتصادية. أما الثالثة فهي أن تتصرف الحكومة بشكل حاسم لمنع الممارسات الفاسدة التي ارتكبها رعاة النظام السابق، من الوصول إلى ممارسين جدد لفساد مدمر على نحو مماثل، وإن كان أقل وضوحا.
وتعي حكومة الجبالي، التي يقودها حزب النهضة الإسلامي المعتدل، هذه المشكلات تمام الوعي. ولكنها حتى الآن فشلت في مجاراة المطالب التي تنادي بالتغيير منذ انتخابات أكتوبر 2011، التي شهدت دفع الفئات السكانية الأكثر هامشية من الناحية الاقتصادية، لأحزاب ثورية "غير فاسدة" ولكن "لم تخضع للاختبار" إلى الائتلاف الحاكم.
ولتحقيق ذلك، يتعين على الحكومة تطبيق سياسات اجتماعية واقتصادية أبعد مدى. فأولا، ينبغي للجمعية الوطنية التأسيسية إطلاق إجراءات طارئة، لكسر الحواجز الإدارية التي تحرم خريجي الجامعات من الوظائف وتعيق التنمية الإقليمية.
ويعمل معظم التونسيين، شأن معظم العاملين في الشرق الأوسط، في القطاع غير الرسمي، ويحتاج هذا القطاع إلى التحول من حالة "تحت الأرض" إلى محرك للنمو. وينبغي أن ينتهي الروتين والمعاملة المهينة التي تمنع التونسيين، مثل محمد البوعزيزي وغيره ممن أضرموا النار في أنفسهم، من كسب لقمة العيش.
ويجب تعميم أنشطة القطاع غير الرسمي دون فقدان وسائل العيش. وفي نهاية المطاف، سيساهم هؤلاء العمال في القاعدة الضريبية للاقتصاد الجديد، وبالتالي في تعزيز مساءلة الحكومة. وينبغي أيضا إنشاء سجل واضح وكامل يضم أسماء حاملي الشهادات الدراسية العاطلين عن العمل، إضافة إلى معايير شفافة وموضوعية للحصول على وظائف في الحكومة والشركات العامة والخاصة.