لا بد للمبعوث الدولي والإقليمي إلى سوريا كوفي عنان، من أن يعقد صفقة مع الشيطان لكي ينهي الفظائع الباعثة على الغثيان التي يرتكبها الجيش السوري ضد المدنيين هناك، ولكن الشيطان الذي ينصرف إليه ذهن عنان هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليس الرئيس السوري بشار الأسد.
هذا هو ما يسعى عنان إلى تحقيقه، من خلال اتباع استراتيجية يائسة تتمحور حول الرئيس الروسي. وعنان، ليس بالدبلوماسي الساذج الذي يمكن أن يصدق وعود الأسد التي لا قيمة لها، وهو يطيل أمد مهمته في سوريا لكي يعطي للأسد حبلا يشنق به نفسه.
هذا يعني أن عنان ينتظر اللحظة التي لا يتاح فيها حتى لبوتين نفسه، أن يتحمل عار المساعدة في ارتكاب جرائم ضد البشرية من النوع الذي يمارسه النظام السوري. وهناك أوقات يتعين على المرء فيها أن يتعامل مع الشيطان، على الرغم من كل ما في ذلك من سوء، ولكن يتعين عليك أن تكون واثقا من أن بمقدور شيطانك أن يفي من جانبه بالصفقة، وهذا هو معنى جانب الدقة الذي يخطئ فيه عنان.
فحتى لو أن بوتين كان على استعداد للوفاء بجانبه من الصفقة، فإن من المشكوك فيه أن بمقدوره أن يجبر الأسد على التخلي عن السلطة لإنقاذ نظامه. هذا هو النموذج اليمني الذي دعي بهذا الاسم، في إشارة إلى الاستراتيجية التي وظفتها الولايات المتحدة في المساعدة على إخراج الرئيس اليمني علي عبد الله صالح من سدة الرئاسة في فبراير الماضي.
والنموذج الأكثر دقة الذي تم تسريبه حتى الآن، هو اتفاق الولايات المتحدة وروسيا على قائمة بالقادة السوريين المقبولين، الذين يتقلدون السلطة بعد رحيل الأسد، وهؤلاء القادة سيعدون بكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات نزيهة، لإرساء السلام مع الخصوم الذين ظلوا يقتلونهم بشكل منهجي على امتداد عام ونصف العام.
ولكن قبضة بوتين على السلطة في بلاده تضعف حاليا مع تعثر اقتصادها، وهو لا يظهر أي مؤشر إلى أنه يعرف ما الذي يتعين عليه القيام به حيال ذلك. ورغم قصور في السياسة الخارجية التي تتبعها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، فإنها تبدو شيئا شامخا بالمقارنة مع غياب المبادرات الروسية الجدية في الحياة السياسية العالمية، على امتداد عقود من الزمن.
وما من أحد يستمع جديا إلى بوتين عندما يتحدث حول الشؤون الدولية، بمن في ذلك الطغاة الملطخة أياديهم بالدم، الذين يستخدمون أسلحة بلادهم للبقاء في السلطة. ولا بد أن إحساس عنان باليأس أو بالمفارقة التاريخية، هو الذي جعله يقبل بخيار بوتين، واليأس ينبع من حقيقتين وحشيتين أصبحتا الآن بالغتي الوضوح:
- أن الأسد يشرف بنفسه على حملة الفظائع الدموية الراهنة، ووضعه الداخلي بالغ الضعف، بحيث لا يسمح لأي شخص آخر بتولي هذه المسؤولية، ورحيله إلى موسكو أمر أساسي لإنهاء القتل.
- أن الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وجامعة الدول العربية، لن تتدخل عسكريا في سوريا لفرض مبدأ مسؤولية المجتمع الدولي عن الحماية، الذي تم تطبيقه بفعالية في ليبيا.