لا شك أن ضغط الشارع المصري لعب دورا بارزا في انتخابات الرئاسة الأخيرة، لكنه في نفس الوقت لم يكن العامل الأبرز في ترجيح كفة المرشح الإسلامي محمد مرسي، وإنما جاء ذلك نتيجة طبيعية لتنشيط جماعة الإخوان المسلمين لتواجدها على الساحة المصرية وتنظيمها لصفوفها، وحشدها للملايين وراء مرشحها الذي لم يكن أحد يتوقع صعوده من المرحلة الأولى.
كما أن هذه النتيجة جاءت للمرونة التي أبداها الرئيس مرسي خلال الأسابيع الماضية، وانفتاحه على كل القوى وحواراته معها، خاصة القوى الثورية، مما دفع الجميع إلى تأييده ضد منافسه ممثل النظام السابق. ويرى محللون أن مرسي يروق لروسيا التي أصبحت تمتلك، بعد تسلمه السلطة في مصر، فرصة كبيرة لتقوية مواقعها في منطقة الشرق الأوسط. ذلك أن الرئيس السابق حسني مبارك، راهن بشكل كامل على تقوية علاقات بلاده مع الولايات المتحدة.
أما الرئيس الجديد، فيمتلك من الحكمة ما يدفع على الاعتقاد بأنه "لن يقدم على وضع كل ما يمتلكه من بيض في سلة واحدة". ومن المرجح أن يصب في هذا الاتجاه، الحوار البناء الذي تفردت به روسيا مع حركة حماس. ففي حال أجادت موسكو استغلال هذه الورقة، فسيكون بإمكانها فتح قنوات تعاون، روسية ـ مصرية، لم تكن متاحة لها في السابق، في المجالات التجارية والعسكرية.
ويعلق الشارع العربي آمالا كبيرة على مرسي، في تنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها، وتخليص مصر من النخبة الفاسدة، التي استولت على مقدرات البلاد، واستبدالها بنخبة جديدة نزيهة، تستطيع أن تلبي حاجات المجتمع المصري في الإصلاح والتجديد.
لكن السؤال الأبرز حاليا هو: هل سيكون بمقدور جنرالات الجيش المصري ضمان بقاء الحريات في مصر بوجود رئيس جديد، خارج من عباءة جماعة الإخوان المسلمين؟ تشير توقعات كثير من الخبراء، إلى أن حالة عدم الاستقرار السياسي قد تطول، بسبب ازدواجية السلطة السائدة حاليا في مصر. لكن هذا الوضع سيكون مريحا للرئيس الجديد.
ذلك أنه إذا فشل في تحقيق الوعود الانتخابية التي قطعها على نفسه، فسيكون من السهل عليه تبرير ذلك بافتقاره للصلاحيات. وبذلك فإنه سوف يوجه مشاعر الغضب التي ستتولد في الشارع العربي على الطريقة التي تتم بها معالجة القضايا الاجتماعية، في اتجاه العسكر.
لا شك في أن الانتخابات الرئاسية تشكل نهاية منطقية للثورة المصرية، وتمهد لبناء مصر جديدة تختلف عما سبقها، لكن تهدئة الشارع المصري تتطلب فترة زمنية طويلة تتجاوز العشر سنوات. وليس من المستبعد أن تشهد هذه الفترة اضطرابات وقلاقل، خاصة وأن الشعب يقف في وضعية المتأهب للمواجهة، بعد أن تمكن من توحيد صفوفه ضد حكم مبارك.
إن توازن المصالح الذي تم التوافق عليه بصورة مؤقتة بين التيارات المختلفة في المجتمع المصري، لا يضمن عدم قيام ثورة ثانية، وحتى ثالثة. وعلى الأرجح فإن هذه الثورات في حال اندلاعها، ستكون أكثر دموية، وربما مجهولة النتائج أكثر مما كان عليه الحال خلال الربيع العربي.