تتمحور المناقشات بشأن السياسة الخارجية الروسية، عادة، حول اتجاهاتها: هل هي سياسة موالية للغرب أم مناهضة له؟ إلا أن هذه المناقشة تغدو بلا معنى، إذ إن الغرب لم يعد هو الوحدة السياسية الواحدة.
وأقيم اتحاد سياسي وثيق بين الدول الغربية الرئيسية كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة، في النصف الثاني من القرن العشرين لمواجهة الخطر السوفييتي. وشجعت الولايات المتحدة دولاً غير ديمقراطية، مثل إسبانيا والبرتغال وتركيا وكوريا الجنوبية، للوقوف مع الدول الديمقراطية ضد «الخطر الأحمر»، رغم أن واشنطن والعواصم الأوروبية لم تكن مرتاحة للتعاون مع الأنظمة غير الديمقراطية.
وبزوال هذا الخطر في عام 1991، لم يعد العالم الغربي يجد سبباً للتمسك بالوحدة. وليس هذا فقط، بل أصبحت أوروبا وأميركا في «طابقين» مختلفين من السياسة العالمية، إذ انتشرت الولايات المتحدة كقوة أعظم في أنحاء العالم، بينما انزوت أوروبا أكثر فأكثر على نفسها، مركزة على تلبية حاجاتها الاقتصادية والسياسية، أي أن اهتمامها لا يتعدى بلدان «الجوار القريب». ولا تزال أميركا تعتمد على القوة «الغليظة» لتحقيق أهدافها، بينما تفضل أوروبا القوة «الناعمة».
وتواجه كلا الفريقين مشاكل خطيرة في هذا المجال، فالقوة الأعظم لا تستطيع إحراز الانتصار الكامل في العراق وأفغانستان، كما لا تستطيع الاستفادة من الانتصار الذي تمكنت من تحقيقه هناك. وتضررت القوة الأوروبية «الناعمة» من أزمة ساحقة اجتاحت منطقة اليورو.
ولا تزال أميركا وأوروبا تنضويان تحت لواء الحلف العسكري السياسي الواحد، وما فتئتا تؤكدان أهميته ومتانته. ولكن لم يظهر ما يمكن أن يوثق الروابط بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، رغم التصريحات الرنانة عن المستقبل المشرق لحلف شمال الأطلسي.
ويمكن أن تلتقي مصالح أميركا وأوروبا في منطقة الشرق الأوسط، التي تجدها أميركا مفتاحاً للسيطرة على العالم، وتنظر أوروبا إليها بأنها محطة بنزين. أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأقصى، فلا تتحمس أوروبا لتصعيد المجابهة هناك، في حين تنظر الولايات المتحدة إلى هذه المنطقة على أنها أهم مسرح للصراع على السيطرة على العالم في المستقبل.
وهكذا لم يعد يوجد ما اصطلح على تسميته «الغرب». وهناك أوروبا والولايات المتحدة واليابان وتركيا وكوريا الجنوبية.. الخ، ولكل منها مصالحها وسياستها على المسارات كافة. ومصلحة أميركا في المحافظة على أمنها الاستراتيجي، وعلى الأخص في المجال النووي. ومصلحة أوروبا في المحافظة على أمنها الاقتصادي أولاً. ومصلحة تركيا في تحقيق الذات كدولة إقليمية كبرى في القارة الأوروبية وأماكن أخرى.
ومصلحة اليابان وغيرها من الدول الآسيوية الموالية لأميركا، في إنماء قوتها لتوازن القوة الصينية وتشترك في برامج تنمية منطقة الشرق الأقصى الروسية وسيبيريا. كما أن ما اصطلح على تسميته «الشرق» أو «آسيا»، لم يعد يشبه نفسه. فقد تحولت آسيا من كونها رمزاً للتخلف، إلى رمز للتطور والتقدم، الأمر الذي يستوجب أن تولي روسيا آسيا عامة، والصين خاصة، مزيداً من الاهتمام.