قبل بضع سنوات بدا الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي متأهباً لأن يكون رئيساً لتونس مدى الحياة، بعد أن حكم البلاد منذ عام 1987. إلا أنه، أخيراً، قضت محكمة عسكرية تونسية بالحكم عليه بالسجن المؤبد، بتهمة التواطؤ في قتل المتظاهرين خلال الثورة التونسية التي أطلقت شرارة الربيع العربي. عملياً، يبدو من المحتمل أن يعني هذا الحكم النفي مدى الحياة إلى المكان نفسه الذي فرّ إليه الرئيس التونسي الأسبق مع عائلته بعد أن فشل قتل أكثر من 100 متظاهر في إيقاف الانتفاضة الشعبية.

كانت المحاكمتان اللتان اختتمتا، أخيراً، أبعد ما تكونان عن المثالية، حتى لو تمت إدانة العديد من كبار المسؤولين التابعين له وتبرئة البعض. كان غياب ابن علي من تونس يعني أن محاكمته تمت غيابياً. إذن بالنسبة له فالعدالة لا تزال غير ناجزة، على الرغم من أن جميع المتهمين معه حوكموا حضورياً.

وفي حال عودته إلى تونس يتعين أن يمنح حق المثول لمحاكمة جديدة. ولا تبدو هناك فرصة تذكر لحدوث ذلك في الوقت الحاضر، في ظل عدم استعداد الحكومة التونسية الحالية لذلك. وقال رئيس الوزراء التونسي، أخيراً، إن قضية تسليم ابن علي هي قضية «ثانوية».

وجرت المحاكمة أيضاً في محكمة عسكرية، الأمر الذي يثير بصورة تلقائية مخاوف بشأن الاستقلالية. ينبغي أن يقتصر دور القضاء العسكري على محاكمة العسكريين في القضايا ذات الطابع العسكري بشكل صرف، وتتم إحالة المحاكمات عن جرائم قتل المدنيين إلى المحاكم العادية.

وعلى الرغم من أن إصلاحات كبيرة قد أجريت على القضاء العسكري التونسي بعد الثورة، من خلال الاستعانة ببعض القضاة المدنيين والسماح لضحايا الجرائم بالمشاركة في المحاكمات كأطراف كاملي الأهلية، فلا تزال المشكلات قائمة. وقال أحد كبار القضاة المدنيين في تونس، أخيراً:

«إن القضاة العسكريين يرتدون ثوب القضاء الآن، لكن لا يزالون في أعماقهم متمسكين بزيهم ورتبهم العسكرية»، ما يعني أن القضاة ما زالوا خاضعين للتسلسل القيادي العسكري. ولا يزال وزير الدفاع التونسي يقوم بتعيين القضاة العسكريين.

وعلى الرغم من هذه المشكلات، فما يجري في تونس ينبغي الاعتراف بأهميته. فلم يكن ابن علي وحده الذي أدين، أخيراً، وإنما أدين العديد من كبار الشخصيات الآخرين، بمن فيهم وزير داخليته السابق رفيق حاجي قاسم. وعلى الرغم من أن محامي الضحايا والمتهمين بدا أن لديهم شكاوى لها ما يبررها بشأن قدرتهم في الحصول على بعض الأدلة.

فقد تبيّن من خلال رصد جلسات الاستماع أدلة محدودة حول حدوث انتهاكات خطيرة تتعلق بالحق في محاكمة عادلة. وفي الواقع، برّأت المحكمة آخرين، من بينهم علي السيرياطي وهو مدير الأمن الرئاسي في عهد بن علي، الأمر الذي أثار اشمئزازاً كبيراً لدى الكثيرين. لكن الإدعاء لم يقدم دليلاً على أن السيرياطي أو قواته كانوا موجودين خلال عمليات إطلاق النار التي تجري بشأنها المحاكمة، أو أنه أعطى أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين.