التزمت جميع الدول الكبرى بمبدأ عدم التدخل في سوريا، ولكن الجميع يعرف أنها جميعها، بصورة أو بأخرى، تنتهك هذا المبدأ من الناحية العملية.
اتهام وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للروس بشحن طائرات هليكوبتر هجومية إلى سوريا مؤخراً، أعقبته تقارير تفيد بأن المعارضة السورية تلقت إمدادات جديدة من الأسلحة من دول في منطقة الشرق الأوسط، وهي تجارة جرت في إطار تآمري، أو على الأقل لم تتم معارضتها بشكل فعّال من قبل الدول الغربية.
نظام عدم التدخل لصالح سوريا، إذا كان من الممكن أن يطلق عليه ذلك، مليء بالثغرات كنظيره الذي تم اتباعه خلال الحرب الأهلية الإسبانية. ولو أنه لم يعتبر حتى الآن صورياً مثل ميثاق عدم التدخل لسنة 1936، فإن ذلك يرجع في جزء منه إلى أن الصراع في سوريا، رغم أنه صراع دموي، إلا أنه لم يصل إلى مستوى شدة الصراع الذي جرى في إسبانيا.
كذلك فإن ضبط النفس النسبي، الذي لا يزال يتم إبداؤه، يعكس حقيقة مفادها أن معظم الدول التي تتدخل في شؤون سوريا، ليست على يقين بشأن ما تريده حقاً، وغير متيقنة بشأن مدى قدرتها على السيطرة على الأحداث إذا كثّفت مستوى التدخل. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدول الغربية تدرك بشكل خاص، أن الرأي العام لديها لن يقبل أية قرارات قد تؤدي إلى مشاركة مباشرة في حرب أخرى في الشرق الأوسط.
وقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخراً، إن الإمدادات الروسية إلى بعض الدول في المنطقة كانت بهدف الدفاع الجوي، وهي مشروعة، بل إنه اتهم الولايات المتحدة بتزويد الثوار السوريين سراً بأسلحة ومعدات، وهو اتهام مباشر كانت موسكو قد تجنبت توجيهه في الماضي. إذاً، التصريحات تتصاعد، وكذلك القتال، وإن لم يكن بالقدر الذي توحي به التصريحات المعلنة.
ربما يكون من الإنصاف القول إن ما يوجه معظم القوى الخارجية، هو الرغبة في تجنب نتيجة تكون متعارضة مع مصالحها الوطنية، وليس رغبة إيجابية في تحقيق نتيجة معينة.
لا تريد روسيا وقوى أخرى إقليمية أن ترى حليفاً لها يفشل، غير أن موسكو لا تريد أن تكون مثقلة بنظام لا يستطيع السيطرة على شعبه. حتى إن هذه القوى الإقليمية أشارت، وهي تقوم بتزويد المستشارين والمعدات الأمنية لأصدقائها السوريين، إلى أنها تعاملت مع مشكلات الفوضى الداخلية الخاصة بها من دون اللجوء إلى الدبابات أو المدفعية.
لا أحد يريد أن يخسر حليفاً، ولكن لا أحد يريد الحليف الكسيح. ربما تكون دول في المنطقة عازمة على جعل سوريا دولة سنية مرة أخرى، في الوقت الذي تساعد على إضعاف قوى أخرى. وقد كانت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، صريحة على نحو متزايد بشأن الرغبة في إخراج عائلة الأسد، ولكنها متخوفة مما سيترتب في حال رحيل هذه العائلة.
إذاً، فالصورة تحوي درجة من التدخل المختلط بقدر كبير من الحذر. وللأسف، فليس هذا هو النهج الذي سيجلب الفرج للشعب السوري في أي وقت قريب.