شكلت الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة الروسية، موسكو، علامة فارقة في التنمية السياسية الروسية. فقبل هذا الحدث، كانت الحكومة الروسية تسمح للمتظاهرين بتنظيم مسيرات وتجمعات، على الأقل في العاصمة وعدد من المدن الكبرى. فقد اعتقدت السلطات أن الاحتجاجات ضعيفة التأثير ويمكن بالفعل تجاهلها. ولسبب ما، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبطانته على يقين بأن الانتخابات الرئاسية والتنصيب سيضعان حداً قاطعاً للأزمة السياسية.
وكان ذلك الافتراض مثيراً للدهشة بصورة خاصة بالنسبة لدولة ينظر فيها إلى الانتخابات على أنها بلا معنى. فلم يسبق لأحد أن نقل السلطة عبر انتخابات حقيقية، حيث لا يعتبر التصويت أكثر من مجرد طقس يلزم لإضفاء مظهر من مظاهر الشرعية على أولئك الذين يتمتعون بالسلطة بالفعل. وعلى الرغم من أن الانتخابات تحولت إلى خيال، فإن المسؤولين ظنوا في الواقع أن هذه الانتخابات ستقنع المعارضة، بطريقة أو بأخرى، بأنها هزمت في صراع سياسي نزيه، وأن الوقت قد حان للتوقف عن القتال.
كانت السلطات الروسية قد علقت الآمال على أن تدق مسمارا أخيرا في نعش ما اعتقدت أنه يشكل معارضة مهزومة محبطة. إلا أن الإقبال الكبير على الاحتشاد في موسكو أخيرا أثبت أن الانتخابات الرئاسية أعطت الحركة ريحا ثانية. ومن خلال منع المتظاهرين السلميين من الوصول إلى ميدان «بولوتنايا بلوشتشاد»، الذي كانوا قد حصلوا على إذن من مجلس المدينة بدخوله، فإن الشرطة الروسية لم تثر جولة جديدة من المواجهة فحسب، ولكنها أثبتت أيضا أن أي اتفاقات سابقة بين زعماء المعارضة والسلطات لم تعد سارية المفعول.
وعمد العديد من المراقبين إلى المقارنة بين مخيم «تشيستي برودي» وحركة «احتلوا وول ستريت» في الولايات المتحدة. ولكن الحركة الأميركية كانت على امتداد البلاد في نطاقها، وكانت تعمل تحت شعار واضح فهمه الجميع، وأيده العديد من الأميركيين.
. وعلى النقيض من ذلك، فإن احتجاجات موسكو اندلعت في ظل صمت خيم على مناطق عدة. ولا يلزم سكان تلك المناطق الصمت لأنهم يحبون السياسة الرسمية، أو يخشون التحدث علناً، ولكن صمتهم يتعلق بحقيقة أن المتظاهرين في موسكو لا يعكسون مصالحهم واحتياجاتهم الخاصة.
ويتغير مزاج متظاهري موسكو بصورة تدريجية. فإلى جانب المطالبة بإجراء انتخابات جديدة حرة ونزيهة، يطالب بعض المتظاهرين الآن برعاية صحية مجانية، وبمنح المزيد من العمال الحق في الإضراب دون عقاب، وبوضع سقف للأسعار على رسوم المرافق العامة، وبوضع حد للتخفيضات الحادة في مجال التعليم، بما في ذلك إغلاق العديد من المدارس في مختلف أنحاء البلاد.
وعلى نحو غير مستغرب، تغير لافتات المتظاهرين تركيزها وفقاً لذلك، وحتى أولئك الذين لا يصنفون أنفسهم على أنهم يساريون يسارعون الى الموافقة على وجوب حماية الرعاية الصحية والتعليم. ومع ذلك، فقد عمد زعماء المعارضة الى استبعاد المطالب الاجتماعية من برنامج الحركة الرئيسي، على الرغم من أن هذه هي نفسها القضايا التي تستطيع توحيد جماهير واسعة من الناس.
وفي حال لم تتجاوز الحركة الديمقراطية حدود موسكو إلى الأقاليم، فإنها ستتلاشى في نهاية المطاف. وليست الحرية لعبة بأيدي قلة مختارة أو مكافأة يجب أن تمنح لممثلي نخبة موسكو. ولكنها حق الأغلبية في تغيير السياسة الرسمية بحيث تعكس مصالح الشعب.