هنالك غضب سائد، واستجابة سائدة أينما نظرتم»، ذلك هو ما قاله كارل ليفن رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي. ومن الواضح أنه لم يكن ينظر بعيداً بما فيه الكفاية.
كان السيناتور الطيب يرد على خبر سجن باكستان للطبيب الذي كان يدير حملة تطعيم وهمية، بهدف تزويد أجهزة الاستخبارات الأميركية بمعلومات عن مكان أسامة بن لادن، حيث جمع الدكتور شاكيل أفريدي عينات دم من أطفال يعيشون في مجمع سكني في أبوت آباد، أظهرت، لدى فحصها في وكالة الاستخبارات الأميركية، تطابقاً مع الحمض النووي لأبرز مطلوب للعدالة على مستوى العالم، فداهمت القوات الخاصة الأميركية المخبأ، وقتلت زعيم تنظيم القاعدة.
وارتأت باكستان أن دور الدكتور أفريدي في العثور على ابن لادن يشكل «خيانة»، وقضت بسجنه لمدة 33 عاماً، فردت واشنطن بغضب، واصفة باكستان بـ «الحليف منفصم الشخصية». واقتطع مجلس الشيوخ 33 مليون دولار من المساعدات الأميركية لباكستان (مليون دولار عن كل سنة من محكومية الدكتور أفريدي). ولكننا نجد في باكستان غضباً من نوع مختلف، إذ ينعت الوزراء الباكستانيون الدكتور أفريدي بـ «الخائن» الذي «تعاون مع المخابرات الأجنبية». ويرغب البعض في الصحف الباكستانية، في رؤيته معلقاً بحبل المشنقة.
ولأسباب مفهومة، فإن واشنطن لم تمنح إسلام أباد ثقتها عندما أطلقت غارة ابن لادن، ولكن الإصرار على أن بقاء أسامة بن لادن خمس سنوات في مخبئه، الذي كان يبعد 800 متر عن الكلية الحربية الباكستانية المعادلة لـ «ساندهيرست»، يعود إلى كون الاستخبارات الباكستانية إما متشددة أو غير كفؤة، يدخل في باب القطبية الزائفة.
ويكمن حل هذا اللغز في مكان أكثر إيغالاً في اتجاه الشمال، وتحديداً في منطقة خيبر القبلية، التي ينعدم فيها القانون، والتي اقتطعتها بريطانيا الاستعمارية من الأراضي الأفغانية كمنطقة عازلة لحماية حكم الراج في الهند. وبعد قرن من الزمان، لا تزال تلك المنطقة تشكل حزاماً حدودياً يجتمع فيه عناصر طالبان الباكستانيون بنظرائهم الأفغان بحرية.
وهنا وجد الدكتور أفريدي مذنباً، وفقاً لقوانين المناطق القبلية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث تصرف مفوض سياسي مساعد باعتباره مدعياً عاماً وقاضياً وهيئة محلفين. ولم يحظ الدكتور أفريدي بمحام، ولم يتسن له استجواب الشهود أو سرد رؤيته للموضوع، ولكنه على الأقل لم يتلق عقوبة الإعدام، التي كان سيتلقاها في أي مكان آخر في باكستان.
وعلاوة على ذلك، فإن تفسير اللعبة المزدوجة التي تلعبها باكستان في ما يتعلق بالتشدد يكمن هنا، إذ تمثل المنطقة معقلاً لشبكة من المتشددين تعرف باسم «شبكة حقاني»، وهي فصيلة من فصائل طالبان تتخذ من شمال وزيرستان مقراً لها. ويرى بعض عناصر وكالة الاستخبارات الباكستانية أن تشدد شبكة حقاني، وهي الفصيلة التي يخشاها حلف شمال الأطلسي، يشكل وسيلة مفيدة لتقويض المصالح الهندية، دون الحاجة لخوض حرب تقليدية معها.