تتأرجح مصر بين الحماس المفرط والسكينة. انتخاب أول رئيس جمهورية في البلاد لأول مرة في سباق بين العديد من المرشحين، أمر مبهج. ولكن عندما ننظر إلى ما طرح على الناخبين، يشعر الكثيرون بالقنوط. لم يحدث من قبل في تاريخ البلاد، أن تم السماح للمواطنين المصريين باختيار رئيس الدولة من دون معرفة النتيجة مسبقاً. يتحدث المصريون طوال الوقت عن ذلك، ويجادلون بعضهم البعض، حتى ان العائلات تنقسم فيما بينها حول هوية المرشح الذي يصوتون له. فمن يرغبون في أن تحكم مصر بالشريعة الإسلامية، كانت لديهم خيارات متعددة. وكذلك الحال في الجانب الآخر، وهو الذي سنصفه "النصف علماني"، فهي لعبة اختيار الأقل سوءاً.

أما حقيقة أنه تم السماح لمرشح عن النظام القديم، وهو رئيس الوزراء الأسبق الفريق أحمد شفيق، بالترشح فهي في حد ذاتها تدل على أن الثورة المصرية لا يزال أمامها طريق طويل لتقطعه، خصوصا أن شفيق جاء في المركز الثاني في عدد الأصوات، ونافس مرشح حزب العدالة بقوة، حيث كان هامش الفرق في الأصوات صغيراً جداً. أما عمرو موسى، وهو في السبعينات من العمر، الذي كان يشغل وزير الخارجية والأمين العام لجامعة الدول العربية، وطرح نفسه الآن على الشباب بوصفه المؤيد للديمقراطية وللشباب، فلم يمتلك الشجاعة لتحدي مبارك علانية. فهو تجسيد للانتهازية من عهد مبارك، وهو واحد من الجيل القديم «احن رأسك، ودعك في شأنك، لطالما لديك وظيفة مناسبة براتب جيد»، أناني بلا أحلام. وفي ما يتعلق بالاختيار بين الفريق شفيق وموسى، فقد فضل الكثيرون شفيق باعتباره نخبوياً من النظام القديم، ويرمز لتولي رجل من الجيش سدة الحكم مرة أخرى.

المرشح التالي للرئاسة المصرية على القائمة غير الإسلامية، هو الناصري حمدين صباحي، الذي جاء ترتيبه الثالث، بعد أن ارتفع نجمه في استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة. فبماذا وعد الناخبين؟ وعدهم بإحياء عهد عبد الناصر القائم على رأسمالية الدولة، حيث كان أعضاء الحزب الواحد وكبار البيروقراطيين يحظون بأفضل المزايا، ويغازل الطبقة العاملة، ويصف ذلك بأنه "الاشتراكية".

لكن صباحي ليس وحده المذنب في حنينه إلى تلك السياسة، فهناك منافسون له على الجانب الآخر، وهم الإسلاميون، فهم مذنبون بالخطيئة نفسها، بوعدهم بإعادة إحياء الماضي. فمن المفارقات أن المصريين بعد أن قامت أول ثورة شعبية في تاريخهم، يبدو أنه مطلوب منهم حالياً عدم اختيار المستقبل، بل الاختيار بين التصورات المختلفة من الماضي. وهذا ليس مستغرباً، فالناصرية (أو القومية العربية)، والنزعة الإسلامية، تمثلان الخطابين السياسيين اللذين هيمنا على مصر والعالم العربي على امتداد نصف القرن الماضي أو نحو ذلك. وخلافاً للتصور الشائع، فبينهما الكثير من القواسم المشتركة.

وكلا التوجهين قد غرسا شعوراً متضخماً للعظمة الجماعية ومجد الماضي، ومهما حلّ بالأمة من سوء، فقد كان دائما يتم تحميل طرف آخر المسؤولية عن هذا السوء.