من الملفت للنظر أنه عندما يتعلق الأمر بأزمة الديون الأوروبية، فإن عدداً متزايداً من الناقدين وكتاب الأعمدة الصحافية والخبراء، يتفقون تماما مع الشعبويين اليساريين واليمينيين المتطرفين، إذ يقولون إن برنامج الدعم المالي يشكل هزيمة للذات، وإن اليونان (وربما غيرها من دول الهامش الأوروبي) تحتاج إلى التخلي عن منطقة اليورو من أجل استعادة قدرتها التنافسية.

ولكن إذا كان هناك درس واحد ينبغي لنا استخلاصه من الأزمة المالية التي شهدها عام 2008، فهو ألا نثق في الخبراء، لا سيما بما أنهم، في هذه الحالة، يدعون معرفة العلاج اللازم لبلد نادرا ما قاموا بزيارته، إذا كانوا قد زاروه أصلا، وليسوا على دراية بتاريخه الاقتصادي والاجتماعي.

ورغم كون الجميع خبراء في الشؤون اليونانية هذه الأيام، فإنهم في ما يبدو يغفلون عن حقيقة أن هذه الدولة جربت المسار الذي يقترحونه في ثمانينات القرن الماضي: السياسات المالية التوسعية، والتخفيضات التنافسية المتعاقبة لقيمة العملة، وما شابه ذلك.. وكانت نتيجة «الدواء المعجزة» متوسط معدل نمو يبلغ 0,75% على مدار العقد.

ومتوسط تضخم يقرب من 20%، وأسعار فائدة بنسبة 33%، وتزايدا للدين العام إلى أربعة أمثاله، وعجزا وصل إلى 16% من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا كانت هذه هي الجنة الاقتصادية التي تصنعها عمليات تخفيض قيمة العملة، فإنني أفضل جحيم التقشف.

وبالإضافة إلى حقيقة أن جيل الشباب ملزم بدفع ثمن ما حدث في ثمانينات القرن الماضي، فإنه يجدر ذكر أن اليونان، خلال فترة الدعم المالي التي أعقبت ذلك، وقبل طرح اليورو، شهدت معدلات نمو جيدة، تبلغ مثلي معدلات الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن الإصلاح ليس هو المسؤول عن وصول الاقتصاد إلى طريق مسدود. وعلى العكس من ذلك، فإن جذر الأزمة يتمثل في حقيقة أن اليونان أوقفت أساسا جهودها الرامية إلى الإصلاح، بعد اعتماد اليورو.

ورغم صحة الحقيقة القائلة إن التقشف يقمع الناتج الاقتصادي، فإن مشكلة اليونان الرئيسية لا تكمن في التقشف، وإنما في انعدام اليقين، إذ كان ينبغي أن يكون واضحا أنه بغض النظر عن مدى انخفاض الأجور، ومدى جودة الفرص المتاحة، فإن أحدا لن يستثمر في الاقتصاد اليوناني ويوجد فرص عمل جديدة، ما لم يكن متيقنا مما سيحدث في هذا البلد.

ولن تحل الدراخما أياً من مشكلات الاقتصاد اليوناني، فاليونان لن تخفض قيمة عملة موجودة، لأن الدراخما غير موجودة. ولكنها ستستحدث عملة جديدة، في حين تعاني بالفعل من مشكلة التخلف عن السداد. وبعيدا عن اللوجستيات المرتبطة بمسعى من هذا النوع، فإن طبع عملة جديدة في وقت يشهد معاناة من الإفلاس، يشكل خطوة انتحارية، نظرا لأن أحداً لن يرغب في شرائها.

وعلى عكس الأرجنتين، فإن اليونان ليست مصدرا صافيا للمواد الخام، وبالتالي لا تملك أي وسيلة لدعم العملة الجديدة، التي لن تحظى بأي قيمة تبادل. ولن تكون البلاد قادرة على دفع المال اللازم لاستيراد النفط والغاز والمواد الغذائية والأدوية بالدراخما. وسوف تترتب على ذلك حالة من الفوضى، وسيمتد انعدام اليقين إلى باقي منطقة اليورو.