على الرغم من أنها لم تلق قدراً كبيراً من الاهتمام الدولي، فإن حملات الإضراب عن الطعام الفلسطينية، التي انتهت يوم 14 مايو، تملك القدرة على هز الوضع الراهن للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وتكمن تلك القدرة في الطبيعة السلمية لحملات الإضراب، التي نفذها الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، بدعم من منظمين شعبيين، وانتهت بموافقة إسرائيل على تحسين أوضاع السجون.

وبالمثل، فإن تزايد استخدام اللاعنف الاستراتيجي كأداة احتجاجية من قبل الفلسطينيين، يمكن أن يزيد الضغوط الداخلية والدولية على إسرائيل من أجل تسوية سلمية. ويمكن أن يساعد أيضا على توحيد المجتمع الفلسطيني، الذي بات منقسماً بحدة.

ولأن الفلسطينيين يدركون تمام الإدراك قوة الاحتجاجات السلمية التي شهدها الربيع العربي، فإنهم يناقشون اعتمادها كاستراتيجية خاصة بهم. وقد مثلت حملات الإضراب عن الطعام تأكيدا جديدا على المعارضة غير العنيفة، وعكست بعضاً من خصائص الصحوة العربية، حيث نظمت تنظيماً جيدا، وحظيت بدعم كبير بين أبناء الشعب الفلسطيني، وحدثت على امتداد فترة من الزمن وعلى نطاق واسع.

وليست الإضرابات عن الطعام وسيلة جديدة تماما بالنسبة للفلسطينيين، فقد شهد العام الماضي بالفعل حملتي إضراب على الأقل، انطوت كل منهما على مجموعة متنوعة من المطالب. وانتهت موجة الإضرابات الأخيرة باتفاقات للسماح بالزيارات العائلية، وإنهاء "الاعتقال الإداري"، وهو السجن دون تهمة أو محاكمة، في نهاية فترة الستة أشهر. وفي المقابل، وافق السجناء على عدم الانخراط في أنشطة إجرامية أو إرهابية من زنازينهم.

والفرق بين المجموعة الأخيرة من حملات الإضراب عن الطعام وسابقاتها، يكمن أولاً، في كثرة عدد المشاركين فيها، الذي يقدر على نحو متحفظ بـ1500 سجين من أصل 4500 سجين. وكانت المجموعة الأخيرة، ثانياً، مخططة مسبقا ومنسقة من جانب السجناء، بدعم من جهات سياسية بارزة، بدءا من حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ووصولا إلى حركة "فتح"، التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (على الرغم من أن دعم حركة "فتح" جاء في اللحظة الأخيرة).

والفرق الثالث والأهم، هو أن الموجة الأخيرة من الإضرابات حظيت بدعم نشط من جانب جماعات فلسطينية شعبية والجمهور الفلسطيني، إذ احتشدوا وراء السجناء، منظمين مظاهرات غير عنيفة في الشوارع.

إن التأثير المستقبلي لهذه الحملة بعيد كل البعد عن الوضوح، ولكنه يمكن أن يشكل بلا شك نموذجا لاستخدام اللاعنف الاستراتيجي. فقد نجحت الاحتجاجات العامة في تشكيل جبهة موحدة داخل المجتمع الفلسطيني المنقسم، في الوقت الذي نقلت السلطة بعيدا عن النظام السياسي المختل والمنقسم إلى فصائل، وأعادتها إلى الشعب. ومع ذلك، فإن الاحتجاجات لم تنجح في توليد قدر كبير من الاهتمام الدولي، ناهيك عن الدعم، الأمر الذي يشكل بالتأكيد مؤشراً غير مشجع.