تحية إلى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. ففوزه يشكل انتصاراً شخصياً، ودفعة قوية لليسار الأوروبي، ودفعة لفرنسا. وبصرف النظر عن رد فعل الأسواق، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فقد وضع هولاند نهاية مفاجئة على نحو ملائم لرئاسة نيكولا ساركوزي، التي لم تتجاوز الفترة الرئاسية الواحدة.
لقد تعهد ساركوزي بأن يكون لفرنسا ما كانته رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر بالنسبة لبريطانيا. ولكنه، بدلًا من ذلك، كان أقرب إلى ما كانه الممثل الكوميدي بيني هيل لبريطانيا، بمزاحه وبذاءته ومهازله. وإن كان بيني هيل يفخر دائماً بحقيقة انه لم يطلق شتيمة على الملأ قط، خلافاً لرئيس الجمهورية الفرنسية، الذي قال لأحد الناخبين الذين رفضوا مصافحته: «اغرب عن وجهي أيها الغبي».
ولكن مهما كان فوز فرانسوا هولاند مدعاة للترحيب، فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة مؤسفة، وهي أن فوزه بني على كذبة. أو بالأحرى إن لم يكن هولاند مذنباً بإطلاق الأكاذيب، فإنه بالتأكيد لم يكن واقعياً بما يكفي.
فقد قال لأنصاره المبتهجين: «لم يعد التقشف أمراً لا مفر منه! وفي جميع العواصم، هناك أناس، بفضلنا، يحلمون، ويتطلعون إلينا، ويرغبون في الانتهاء من التقشف». نعم، في الواقع، كلنا نرغب في الانتهاء من التقشف، يا سيدي. ولكننا لم ننته منه، على الإطلاق. وعلى امتداد ثمانينات القرن الماضي بأسرها، وفترة يعتد بها من تسعيناته، هاجم اليسار ما أسميناه بــ«الكذبة الكبيرة». وتلك الكذبة هي الرواية التي ابتدعها اليمين، حين قال إنه من الممكن خفض الضرائب وحماية الخدمات العامة وتحسينها في الوقت ذاته. وإلى حد كبير، كان اليسار محقاً. ومهما كانت الإنجازات التي حققتها حكومتا تاتشر وميجور، فإن ازدهار القطاع العام لم يكن من ضمنها.
ولكن فرانسوا هولاند شرع اليوم في ابتداع كذبته الخاصة، وهي كذبة لم تنشأ من اليمين، وإنما من اليسار. وهي أيضاً كذبة كبيرة. وتقول روايته إنه لا يمكننا تقليص حجم ومستوى التقشف فحسب، ولكن يمكننا في الواقع أن ننفي التقشف تماما.
وانطلاقاً من افتتانهم بفوز هولاند، ينظر العديد من اليساريين إلى إنكار التقشف هذا بعين الاهتمام. واستجابة للفوز، قال إد ميليباند: «هناك حاجة ماسة لهذه القيادة الجديدة في الوقت الذي تسعى أوروبا إلى الهروب من التقشف. وهي مهمة بالنسبة لبريطانيا. وفي حملته الانتخابية، أظهر هولاند أن يسار الوسط يمكن أن يقدم الأمل ويفوز في الانتخابات بتصور لعالم أفضل وأكثر مساواة وعدلاً». قارنوا ذلك بالخطاب الذي ألقاه في يناير الماضي، قائلاً: «إن العواقب الناجمة عن فشل الحكومة الاقتصادي ستظل معنا لسنوات مقبلة. وتعمل سياسة جورج أوسبورن الاقتصادية على خلق مشهد مختلف للانتخابات العامة في عام 2015، وأيا كان الفائز بها. وأيا كان رئيس الوزراء المقبل، فإنه سيظل بحاجة إلى خفض العجز، ولن يملك من المال ما يمكنه إنفاقه».