أحرز فرانسوا هولاند انتصاراً مذهلاً، ليس لنفسه فحسب باعتباره رجلاً أمضى جانباً كبيراً من حياته المهنية في ظل الآخرين، ولا لفرنسا وحدها، ولكن أيضاً لليسار في أوروبا. ومع تعرض الأحزاب الحاكمة التي نادت بالتقشف، لهجوم من جانب الناخبين ـ في الانتخابات اليونانية، حيث كان متوقعاً أن يحظى اليمين المتطرف بما يكفي من الأصوات لدخول البرلمان، وفي ولاية شليسفيغ هولشتاين، حيث انهار تصويت الديمقراطيين الأحرار، شركاء ائتلاف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل - فقد كان الانتصار الذي حققه اليسار في فرنسا إنجازاً كبيراً، وربما نقطة تحول.

ويعد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، القائد الأوروبي الحادي عشر الذي يسقط منذ اندلاع الأزمة المصرفية، وهذه النتيجة هي أكثر من مجرد تحذير للموالين السابقين لساركوزي؛ ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. ويشكل الاتجاه الفرنسي الجديد ضربة قاصمة لاتفاقية التقشف التي مثلت استجابة أوروبا الرئيسية للأزمة. وليس هولاند بالمتطرف، فهو، انطلاقاً من وعيه بما آلت إليه فرنسا من استقطاب بين اليسار واليمين، أراد من مؤيديه الاحتفال، لا التظاهر. وقد حدد لنفسه سنة إضافية واحدة لموازنة الميزانية الفرنسية، مقارنة بالرجل الذي هزمه. ولكنه وصل إلى السلطة في تلك المرحلة من التاريخ التي أصبح عندها ضحايا الازدهار والكساد الصوت السياسي المهيمن.

والخيار الذي تواجهه فرنسا، هو خيار واضح. فقد فشل اليمين من الناحية الاقتصادية، مع استمرار تدابير التقشف التي اقترحها في إبطاء الشق الأكبر من الاقتصاد الأوروبي. وإما أن يقوم هولاند بعكس هذه القوة الماحقة من خلال إيجاد فرص عمل وتحفيز النمو في فرنسا، أو أن يلقي اليمين المتطرف باللائمة على المهاجرين والحكومة المركزية. وستعقب ذلك النزعة الحمائية والنزعة الوطنية المقترنة برهاب الأجانب.

ويتمتع الرئيس الفرنسي الجديد، الذي يتشبه بفرانسوا ميتران، وهو آخر اشتراكي حظي برئاسة الجمهورية قبل 31 عاما، بحس تاريخي. وإذا كان نيكولا ساركوزي قد حصد أصواته بلا خجل من مزراب اليمين المتطرف، فإن الرئيس الفرنسي المقبل يسلك مساراً مختلفاً، حيث قال: "إننا نحتاج إلى كل ما يمكن لفرنسا أن تقدمه". وهو سيحتاج إلى ذلك بالفعل، ولن يكون أمامه شهر عسل.

لقد استبعدت الانتخابات الفرنسية الأخيرة شخصية مميزة ونادرة في الحياة السياسية الفرنسية، ورئيساً لفترة رئاسية واحدة. كان يمكن لساركوزي أن يخسر رئاسته في غضون ساعات من فوزه بها بشكل مقنع جدا في عام 2007، وقد ساهم إقدامه على الاحتفال بفوزه في أرقى مطاعم الشانزليزيه مع 55 من أصدقائه المقربين والأثرياء، في تحديد لهجة رئاسة لطالما كانت معيبة على نحو قاتل. والصفات غير التقليدية التي ألهمت فرنسا عندما كان ساركوزي مرشحاً في عام 2007، هي نفسها التي أضجرت فرنسا عندما أصبح الرجل ذاته رئيساً للبلاد.

 وعلى الرغم من أنه أفاق من غفوته، فإنه لم يتعاف من اعتباره رئيساً للأغنياء. ويحق لساركوزي أن يأخذ هزيمته على محمل شخصي، نظراً لأن شخصيته هي ما رفضه الناخبون فوق أي عامل آخر. ويترك مسلسل ساركوزي الموشك على الانتهاء حزبه ذا الأعوام العشرة، حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية"، في حالة تأزم. فهو بالكاد يملك من الوقت ما يكفي لتعافيه، قبل أن يأتي اختبار انتخابي آخر في يونيو المقبل.