في زيارته المفاجئة الأخيرة إلى أفغانستان، تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى حشد واحد، إلا أنه كان، في الواقع، يخاطب أربعة حشود. فبالنسبة لشعب أميركي أنهكته الحرب، كان يقول: "إننا خارجون". وبالنسبة لأفغانستان، كان يقول: "ولكننا ما زلنا هنا". فيما سمعته حركة طالبان يقول: "لن ندعكم وشأنكم بعد". وكان يفترض بباكستان أن تهدأ لدى سماعه يقول: "رغم أننا لم نزل في الداخل، فإنكم لستم بحاجة للقلق بشأننا". وكانت تلك رسالة مشوشة، إذا كانت هناك رسالة أصلاً.
وبعد حرب استمرت كل هذا الوقت، تتقلص قائمة الادعاءات المتفائلة بشأن صحة أفغانستان الحالية. واختار أوباما منها ما يلي: أنه كسر زخم طالبان (وليس حملتها)؛ وأن القوات الأميركية ستعود إلى الوطن (رغم أن ما يقرب من ضعف عدد الجنود الذين كانوا في أفغانستان وقت توليه الرئاسة عام 2009، سيظل هناك في نوفمبر المقبل).. وادعى أخيرا أن المد تحول. ولم يعكس تقرير صادر عن البنتاغون سوى جزء من رؤية أوباما التفاؤلية.
فرغم فشل حركة طالبان في استعادة الأراضي التي أخذت منها في قندهار وهلمند، ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش الأفغاني، فإن البنتاغون تقول إن حركة طالبان لا تزال تمثل ذلك العدو "المرن والعازم"، الذي سيحاول استعادة ما فقده من أرض ونفوذ. وبعد ساعات من مغادرة الرئيس، نسفت سيارة مفخخة بوابة أحد المجمعات السكنية في كابول، حيث يقيم المئات من موظفي الأمم المتحدة ومدربي الاتحاد الأوروبي، وأعقب ذلك تبادل لإطلاق النار بين القوات الأفغانية والمهاجمين. فهل يعد ذلك نهار يوم جديد؟
يتوقع لإبرام اتفاق استراتيجي مع أفغانستان، أن يمهد الطريق الدبلوماسي لمؤتمر حلف شمال الأطلسي المقبل في شيكاغو، فهو يضفي نوعاً من الاستقرار على علاقة محفوفة بالمخاطر بطبيعتها، ولكن التوترات الكامنة لا تزال قائمة. فالفساد الأفغاني، الذي يعتبر إيقافه شرطا مسبقا للتقدم في المناطق الريفية التي تهيمن عليها طالبان، لم يتراجع.
وأحد المؤشرات التي تؤكد ذلك، هو محصول العام الجاري من الخشخاش، حيث تنبأ تقرير أصدرته الأمم المتحدة مؤخراً في أفغانستان، بأن العام الجاري سيشهد زيادة في زراعة الأفيون، مما سيعيد أفغانستان أربع أو خمس سنوات إلى الوراء. وفي حين تحصل حركة طالبان على حصتها، فإن النصيب الأكبر من هذا الدخل يذهب إلى بارونات المخدرات في كابول. وشهدت عملية الإنتاج في هلمند، التي تتفوق في زراعتها للأفيون على سائر أفغانستان، شيئاً من الاستقرار. وذلك أمر متوقع، نظراً لأنها غمرت بالقوات الأميركية والبريطانية، ولكن هل ستبقى الأوضاع على هذه الحال بعد مغادرة تلك القوات؟
وتتمثل الركيزة الأخرى التي تقوم عليها استراتيجية أوباما، في سلام قائم على التفاوض مع حركة طالبان، شريطة أن تقطع علاقتها بتنظيم القاعدة. وكما كتب مايكل سمبل، فإن القضية لا تتعلق بما إذا كانت للملا عمر صلات مع كبار قادة تنظيم القاعدة، إذ أن رد أميركا العسكري على أحداث 11 سبتمبر لم يدفع مقاتلي طالبان والقاعدة عبر الحدود الباكستانية فحسب، ولكنه دفعهم من الناحية الاستراتيجية أيضاً، وتتعلق القضية الآن بكيفية عكس ذلك. وحتى الآن، لم يطلب من طالبان أن تكشف عن أوراقها، وتعثرت عملية إنشاء مكتب اتصال في الدوحة بسبب رفض البنتاغون إطلاق سراح خمسة من قادة طالبان من خليج غوانتانامو.