تمر أوقات لا يقل فيها الصمت بلاغة عن أي عدد من التصريحات الرسمية. وقد ساهم إحجام واشنطن وبكين في الآونة الأخيرة عن الإجابة على الأسئلة العديدة المتعلقة بالمنشق الصيني الذي فر من الإقامة الجبرية في منزله إلى حرم السفارة الأميركية في قول الكثير، سواء عن توتر العلاقات بين البلدين، أو عن النزاعات الثقافية، أو عن الخطورة الحقيقية لهذا الوضع.

ولا يسعنا إلا أن نتخيل كم الاتصالات التي راحت تحلق بين العاصمتين. فهذه هي المواجهة التي لم يرغب بها أي من البلدين. ويمكن الحكم على مدى عدم رغبة الدولتين بهذه المواجهة من خلال واقعة كادت تتسبب في أزمة مماثلة في فبراير الماضي.

ففي ذلك الوقت، فر قائد الشرطة الصيني وانغ ليجون إلى القنصلية الأميركية في مدينة تشنغدو، حاملاً معه قصة توقع لها أن تدق جميع نواقيس الخطر. إذ ادعى أن رجل أعمال بريطانيا، يدعى نيل هيوود، لم يمت بسبب الإسراف في الشرب، كما ذكر في الرواية الرسمية، ولكنه قتل، بناء على أوامر زوجة الزعيم الشيوعي المحلي بو زيلاي.

وانتهت تلك الحادثة على نحو سيئ بالنسبة للجميع. إذ تم إقناع وانغ، فيما يبدو، بالمغادرة طوعا. ثم اقتادته السلطات بعيدا، ولم ير منذ ذلك الحين. وتجرد رئيسه زيلاي من جميع مناصبه، وأصبحت زوجته، غو كايلاي، رهن الاعتقال.

وواجهت السلطات الأميركية تساؤلات حول السبب وراء ردها وانغ في وقت شدته. وأظهرت الصين وجهها الوحشي للعالم. والأمر الذي يشفع للمسؤولين الأميركيين هو أن وانغ ليجون كان يشتهر باستبداديته، وأن الموافقة على طلب لجوئه كانت على الأرجح ستثير الموجة نفسها من الاعتراضات التي أثارها الرفض. ولا يلف هذا النوع من الارتياب طلب تشين غوانتشنغ، وهو محام وناشط أعمى، أمضى فترة في السجن بسبب إطلاقه حملة ضد التعقيم القسري. ويبدو أن تشين نقل إلى بكين، بعد أن خدع حراسه.

وقد لا يعرف أبداً ما إذا كانت للولايات المتحدة يد في ذلك، ولكن العديد من أفراد عائلة تشين وأصدقائه أصبحوا الآن رهن الاعتقال، فيما تنفذ السلطات الصينية الغاضبة انتقامها. ولم تكن هذه التطورات لتحدث في توقيت أسوأ من التوقيت الحالي. فمن المقرر أن تقوم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، إلى جانب وفد من كبار الشخصيات الأميركية، ومنها وزير الخزانة تيموثي غاثنر، بزيارة إلى بكين عما قريب.

وذلك لحضور اجتماع ثنائي روتيني يهدف إلى منع تصعيد التوترات ذاتها التي باتت واضحة الآن. ولا يتحمل أي من الطرفين أن يفقد ماء وجهه. فالسلطات الصينية، كما أظهرت قضية بو زيلاي، تقبل على مرحلة انتقالية قيادية كبرى، في حين أن الولايات المتحدة تخوض حملة انتخابية رئاسية لا تسمح لأي مرشح أن يخاطر بأن يتم النظر إليه على أنه «ليناً» مع الصين.

إن النتيجة الأفضل والأكثر إنسانية هي أن تقوم الصين بالتخلي عن تشين بهدوء والسماح للرئيس الأميركي باراك أوباما بأن يحظى بفوزه الصغير قبل أن يتحول سجل حقوق الإنسان الخاص بالصين، فضلا عن قوتيها الاقتصادية والعسكرية المتعاظمتين، إلى قضية انتخابية في الولايات المتحدة. منذ أشهر والولايات المتحدة والصين تمشيان على رؤوس أصابعهما حول بعضهما البعض دبلوماسيا، حيث تؤكد بكين على أن الصين تشارك في نهضة سلمية فريدة.

وتنفي الولايات المتحدة أن إعادة توجيه سياساتها الدفاعية نحو المحيط الهادئ تستهدف الصين. وتمثل الدراما التي تشهدها السفارة الأميركية ببكين حالياً صورة مصغرة لصراع بين قوتين عالميتين يمكن أن تزدادا حجماً وخطورة بسرعة كبيرة. وتحتاج هذه الأزمة إلى أن يتم إخمادها، ولكن ليس على حساب أمل تشين بالحرية.