يعد حكم الإدانة الذي أصدرته مؤخراً محكمة دولية في هولندا، ضد الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، أكثر من مجرد انتصار للعدالة. فهو يقدم درساً للأفارقة وغيرهم، حول عدم التشبث بـ«قائد عظيم» بوصفه المنقذ، فالأفكار العظيمة هي أفضل من الأشخاص العظام.
آن لإفريقيا أن تهلل، فقد وجّهت المحكمة التهمة لتايلور بالمساعدة والتحريض على ارتكاب الفظائع. وهذه هي المرة الأولى منذ محاكمات نورمبرغ، التي تتم فيها إدانة رئيس دولة حالي أو سابق، بارتكاب مثل هذه الجرائم. ولكن هناك أكثر من درس في العدالة، يضمنه هذا الحكم.
فالأفارقة، كما هي الحال في أجزاء كثيرة من العالم، لا يزالون يتعلمون ألا يعولوا كثيراً على «الرجال العظماء» لإنقاذهم أو تغيير عالمهم. فقد كان تايلور في يوم من الأيام قائداً كاريزمياً يحظى بإعجاب العديد من أتباعه، لما يتمتع به من سلطات.
وللأسف، فإن إفريقيا لها نصيبها من «القادة العظام» الظالمين الذين اعتبروا يوماً منقذين، ولكن انتهى بهم المطاف إلى الزج ببلدانهم في أتون الغواية والضلال، وفي كثير من الأحيان إلى تقديس الشخصية. والمثال الأبرز تمثل في رئيس زمبابوي روبرت موغابي، ورئيس الكونغو موبوتو، ورئيس تنازانيا جوليوس نيريري، والرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.
لقد تغير العالم بصورة مطردة منذ المقولة الشهيرة للفيلسوف توماس كارلايل في القرن التاسع عشر: «إن تاريخ العالم ليس إلا سيرة الرجال العظماء».. والنساء أيضاً، لو كان له اليوم أن يضيف شيئاً إلى مقولته.
الأمر الأكثر وضوحاً الآن، هو أن الأفكار العظيمة تؤثر في مجرى الأحداث أكثر من القادة العظام، وخصوصاً عندما تنتشر بسرعة أدوات الإنترنت، مثل فيديو يوتيوب أو عبر رسائل تويتر. لقد أظهر الربيع العربي في مصر، قوة وسائل الإعلام الاجتماعية في الدفع بفكرة أن كل شخص يستحق الحرية والكرامة. ومن خلال إدراك الجماهير لذلك، سقط الرئيس المصري السابق حسني مبارك بسرعة. تقول باربارا كيلرمان من جامعة هارفرد، وهي مؤلفة كتاب جديد بعنوان «نهاية القيادة»: «القادة هم الأكثر تعرضاً بشكل متزايد لقوى خارجة عن إرادتهم».
يمكن أن يبدو التاريخ عشوائياً للغاية، لو أنه يعتمد فقط على الظهور المفاجئ لزعيم عظيم. ورغم ذلك، فالأفكار غالباً تكون متاحة بسهولة، ويمكن لأي شخص الوصول إليها، سواء أكانت فنية أم ثقافية أم روحية أم اقتصادية. فهي توفر رؤية لمجتمع بأكمله، وليست رؤية لفرد.
عرف مؤسسو أميركا أن الناس ربما يرونهم على أنهم عظماء، ولا يعترفون بالأفكار العظيمة التي أسسوها لبناء أمة جديدة. وبحلول عام 1808، عندما بدأ الأميركيون ما يشبه تقديس الزعيم الراحل جورج واشنطن، كتب الدكتور بنجامين آدامز إلى جون آدامز، حول كيف أن الآباء المؤسسين أصبحوا أبطالاً غير قابلين للانتقاد، وحول الخطر الكامن في مثل هذا التفكير، قائلاً: «هناك فارق ضئيل جداً في تلك الخرافة التي تدعونا للاعتقاد في من يصفهم العالم بأنهم رجال عظماء، وفي ما يقودنا إلى الاعتقاد في السحرة والمشعوذين».
واليوم، شهدت الولايات المتحدة ظهور حركتين، وهما حزب الشاي و«احتلوا وول ستريت»، تحاولان عمداً تجنب التركيز على قائد واحد. ربما يكون هذا نموذجاً شعبياً في الوقت الراهن، بسبب تراجع ثقة الجمهور في العديد من القادة الفرديين.