«ليس لخصمي الحقيقي اسم أو وجه أو حزب»، ذلك ما قاله فرانسوا هولاند، رئيس فرنسا المقبل، مضيفاً أنه لا يرشح نفسه للحكم، ومع ذلك فإنه يحكم: «إن خصمي الحقيقي هو عالم المال». ولم يكن أي زعيم آخر ليتجرأ على قول مثل ذلك الشيء.

ولو أقدم هولاند، الذي سيكون أول رئيس اشتراكي لفرنسا منذ 17 عاماً، على تحدي «الأسواق» ببساطة، فإنها بلا شك ستعاقبه وفرنسا بشدة، ولكن يبقى أن نرى كيف سيلعب أوراقه. يحتاج هولاند إلى عبور عقبة وحيدة قبل أن يصبح الرئيس المنتخب، ولكنه حتى في الجولة الأولى من التصويت، التي ضمت عشرة مرشحين، فاز على الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي.

وتتوقع استطلاعات الرأي أنه، في انتخابات الإعادة التي ستعقد الأحد المقبل، سينتصر على ساركوزي بهامش يتراوح بين 14% و16%. وبالتالي فإنه سيصبح الرئيس هولاند، الذي قال أخيراً: «إذا كانت الأسواق تشعر بالقلق، فإنني سأخبرها هنا والآن، بأنني لن أدع لها مجالاً للتحرك».

تلك كلمات قوية، ولكن ما الذي تعنيه عبارة «لن أدع لها مجالاً للتحرك» بالتحديد؟ هل تعني أي شيء على الإطلاق؟ إن الأسواق لا تعتقد ذلك، ولذلك فهي لم تشهد انهياراً بمجرد أن أصبح انتخاب هولاند أمراً مؤكداً.

وبالتأكيد، فإن هولاند هو أكثر صرامة وذكاء من «السيد العادي» الذي يدعي أنه هو. ويمثل سلوكه الهادئ والمتواضع، نقيضاً كلياً لما يتسم به ساركوزي من نشاط زائد ومزاج سيئ وغرور، وذلك رغم أنه تخرج في المدرسة الوطنية للإدارة، وهي أهم معاهد التعليم العالي على مستوى فرنسا، وعمل في السياسة أكثر من 30 عاماً.

ولما يزيد على عشر سنوات، تزعم هولاند الحزب الاشتراكي المنقسم، وكان يلقب بـ«باني الميكانو» لقدرته على ردم الخلافات الشخصية والعقائدية التي لا تنتهي. وهو لم يعد الناخبين الفرنسيين بالقمر، وما وعد به بالفعل هو تقشف أقل بعض الشيء من ذلك الذي وعد به ساركوزي. فهو سيوازن الميزانية الفرنسية بحلول عام 2017، بدلاً من عام 2016. وسيفرض ضريبة دخل جديدة بنسبة 75%، على أولئك الذين يجنون ما يزيد على مليون يورو. ومع ذلك، فإنه يدرك أن السيطرة على عجز الموازنة، يجب أن تتحقق أساساً من خلال خفض الإنفاق، لا زيادة الضرائب.

ويعمل اقتصاد ألمانيا الضخم والصحي، على منحها سيطرة قوية في منطقة اليورو. وتصر برلين على اتخاذ حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تدابير تقشف وحشية من أجل إعادة التوازن إلى ميزانياتها. ولكن إذا كان التقشف شديداً إلى درجة أنه يقتل النمو الاقتصادي، فإن الميزانيات لن تتوازن أبداً.

ويجادل هولاند بأن النمو، لا سيما في مجال البنية التحتية، يجب أن يحفز من خلال تسهيل الائتمان، حتى في الوقت الذي لا تزال الميزانيات تعاني من العجز. والعديد من القادة الأوروبيين يتفقون معه، وكذلك الأمر بالنسبة للعديد من المراقبين، ومنهم الخبير الاقتصادي الحائز جائزة نوبل بول كروغمان، والذي قال مؤخراً إن أوروبا «ستقدم على الانتحار» ما لم تضف سياسات إنعاشية إلى الانضباط الصارم في الميزانية. ولن يبدأ هولاند بطبع النقود على الفور، وذلك أن اليورو يعني أنه لا يستطيع ذلك، ولكنه سيطالب حتماً بـ«تسهيلات كمية».

ويرجح أن هولاند، الذي لن يتحدى برلين بصورة علنية، سيصبح بمثابة نقطة تجمع بالنسبة للأوروبيين الذين يعتقدون بأن منطقة اليورو لن تحل أزمتها، دون نمو اقتصادي في بلدان أخرى إلى جانب ألمانيا. ويقول هولاند: «إن التغيير في فرنسا سيسمح لأوروبا بأن تغير اتجاهها»، وهو قد يكون محقاً في ذلك.