هيمنت التطلعات السياسية على الحياة العامة للمصريين، منذ سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك في العام الماضي. ولسوء الحظ، ففي الوقت الذي يتم التعامل مع تلك التطلعات، دخل الاقتصاد المصري مستوى شديد الانحدار، ما يهدد واحدا من الأهداف الرئيسية للثورة.
وهو تحسن مستويات معيشة المصريين ورفاهيتهم. في عام 2011، تدهور الوضع على جميع الجبهات تقريباً. وانخفض النمو السنوي إلى حوالي 0.5%، وبقي التضخم عند مستوى خطير. وبلغت نسبة البطالة 12.4% في الربع الأخير من العام الماضي. وتراجع ميزان الحساب الجاري بسرعة، وذلك بسبب خسارة قدرها أكثر من 4 مليارات دولار في عائدات السياحة، وانخفاض حاد في تحويلات العمالة المصرية في الخارج.
وتظل مصر اليوم عرضة لسياسة داخلية غير مستقرة، نظراً لأن احتياطياتها الدولية آخذة في الانخفاض بمعدل يقرب من ملياري دولار في الشهر، منذ شهر ديسمبر الماضي، لذا فإنها تواجه الآن خطر حدوث أزمة في العملة أيضاً.
وإضافة إلى ذلك، منح الجيش المصري قرضاً بقيمة مليار دولار للحكومة المصرية، وتم الحصول على مليار دولار آخر على شكل منح مقدمة من دول أخرى، ما جعل الخسارة في الاحتياطيات تقارب 22 مليار دولار منذ ديسمبر عام 2010. أما المصدر الآخر من الاحتياطيات الدولية، وهو السياحة، فقد جلب نحو 8 مليارات دولار، وذلك بانخفاض حاد من 12 مليار دولار في عام 2010.
ويواجه الاقتصاد المصري مخاطر متصلة، وذلك بسبب هروب رؤوس الأموال وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، والسياسات الشعبوية. وحتى على الرغم من توافر مصادر التمويل الخارجي، ومنها على سبيل المثال القروض الممنوحة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجهات الدولية المانحة الأخرى، يتعين على القيادة المصرية البحث عن وسائل لإشراك القطاع الخاص في إنعاش اقتصاد البلاد.
ولسوء الحظ، فقد أدت عملية استهداف أنشطة المنظمات الأميركية لتعزيز الديمقراطية في مصر، مؤخراً، إلى إحداث فتور في العلاقات الثنائية بين القاهرة وواشنطن، ما يهدد مصير المساعدات العسكرية الأميركية البالغة قيمتها 1.3 مليار دولار، والتي تحصل عليها مصر سنوياً. وربما يكون لذلك تأثير في الجهات المانحة الأخرى، فضلاً عن المؤسسات المالية الدولية، لا سيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
إن انتقال مصر من سياسات اقتصادية شعبوية إلى سياسات أخرى معادية للولايات المتحدة، يعد مثالاً على التأثير الذي يمكن أن تنطوي عليه حالة عدم الاستقرار السياسي بشأن التطورات الاقتصادية. فالانتخابات الرئاسية المصرية المقرر إجراؤها في مايو المقبل، وتشكيل حكومة منتخبة ديمقراطياً، ستخفف من حدة الاضطرابات السياسية، وتقود إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وبخلاف ذلك، فسيفقد المصريون المكاسب السياسية التي تحققت بشق الأنفس. وفي الواقع، فإن الخطاب الشعبوي من جانب السياسيين المصريين، يهدد الإصلاحات الاقتصادية التي تحققت في عام 2004، خاصة في ما يتعلق بالتخلص من القيود المفروضة على الحصول على النقد الأجنبي.
وتخفيض التعريفات الجمركية على الواردات، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار بشكل تدريجي. وشهد إجمالي الناتج المحلي المصري، مصحوباً بظروف عالمية مواتية، معدل نمو بـ7.2٪ في عام 2008، مرتفعاً من 4.1% في عام 2004. واحتفظ بنمو نسبته 5% في 2009-2010، رغم الركود العالمي.
كما ساعدت الإجراءات الجديدة أيضا على جذب تدفقات رأسمالية كبيرة، واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، الأمر الذي يؤكد زيادة هائلة في احتياطياتها من العملة الصعبة، من 14.8 مليار دولار في عام 2004، إلى ما يزيد على 36 مليار دولار بحلول نهاية عام 2010.