ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، مؤخراً، أن الزعيم الفلسطيني المسجون مروان البرغوثي، أصدر بياناً غير عادي من زنزانته، يحض شعبه على إطلاق انتفاضة شعبية ضد إسرائيل، ويدعو إلى وقف المفاوضات والتنسيق الأمني معها، وإلى مقاطعة تل أبيب. وأوصى البرغوثي أيضاً باختيار معارضة بعيدة عن العنف. وكما أشارت الصحيفة، فإن البرغوثي هو الزعيم الأكثر مصداقية من بين الزعماء الذين قدمتهم حركة فتح، وهو يملك القدرة على أن يقود شعبه إلى اتفاق. ولو كانت إسرائيل ترغب في التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، لكانت قد أطلقت سراحه بالفعل.
إن المقاومة السلمية التي يتبناها البرغوثي، الذي صدرت في حقه خمسة أحكام بالسجن المؤبد بزعم تورطه في قتل إسرائيليين، جديرة بالذكر، وهي الأحدث بين سلسلة من النداءات الموجهة للفلسطينيين، القادمين من جميع أنحاء العالم، من أجل تحفيز "صحوتهم العربية"، ولكن بشكل سلمي، من خلال العصيان المدني أو مقاطعة إسرائيل أو المستوطنات الإسرائيلية أو المنتجات الإسرائيلية.
ولا شك أن مقاومة اللاعنف من جانب الفلسطينيين لاحتلال إسرائيل للضفة الغربية ستؤتي ثمارها، ولكن بشرط واحد، وهو أن يقوموا بإرفاق أي مقاطعة أو اعتصام أو إضراب عن الطعام، بخريطة مفصلة لحل الدولتين الذي يتطلعون إليه. ومجرد المناداة بـ"وضع حد للاحتلال"، لن تسفر عن شيء.
ويحتاج الفلسطينيون إلى إرفاق كل مقاطعة أو حملة إضراب عن الطعام أو حجر يرمونه على إسرائيل، بخريطة تفصل كيف أنهم، من أجل السلام، سيقبلون باستعادة 95% من الضفة الغربية، وجميع الأحياء العربية في القدس الشرقية، وسوف يتخلون عن الـ5% المتبقية مقابل أراض داخل الحدود الإسرائيلية. ومن شأن مثل هذا الترتيب أن يسمح لما يقرب من 75% من المستوطنين اليهود بالبقاء في الضفة الغربية، في حين تتم استعادة معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.
ولو عمد الفلسطينيون إلى الانخراط في عصيان مدني سلمي في الضفة الغربية من جهة، وحمل خريطة "حل دولتين" معقولة من جهة أخرى، فإنهم سيعتمدون بذلك الاستراتيجية الوحيدة الكفيلة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وهي جعل الإسرائيليين يشعرون بانعدام الأمن من الناحية الأخلاقية، وبالأمن من الناحية الاستراتيجية. وينص القانون الحديدي لعملية السلام، على أن كل من يجعل الأغلبية الصامتة من الإسرائيليين تشعر بانعدام الأمن أخلاقياً بشأن الاحتلال، وبالأمن من الناحية الاستراتيجية في إسرائيل، سيكون الفائز.
وبعد توجه الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس، أدرك الإسرائيليون أن تمسكهم بسيناء لم يكن ممكناً من الناحية الأخلاقية، وهم لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى ذلك من الناحية الاستراتيجية. وساهمت الانتفاضة الأولى، التي ركزت على الرشق بالحجارة، في منح الفلسطينيين اتفاقية "أوسلو"، في حين ساهمت الانتفاضة الثانية، التي ركزت على التفجيرات الانتحارية في مطاعم تل أبيب، في منحهم الجدار حول الضفة الغربية، حيث شعر الإسرائيليون بما يكفي من انعدام الأمن من الناحية الاستراتيجية، والأمن من الناحية الأخلاقية لحبس جميع الفلسطينيين في سجن كبير. واليوم، لا شيء يجعل الإسرائيليين يشعرون بانعدام الأمن من الناحية الاستراتيجية والأمن من الناحية الأخلاقية، أكثر من قصف حماس لإسرائيل من قطاع غزة، حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد.