يعود الرئيس الروسي المنتخب فلاديمير بوتين إلى الكرملين كشخصية متقلصة. ونظراً لحصوله على ما يقرب من 64% من الأصوات في انتخابات الرئاسة التي أجريت في 4 مارس، فإنه لا يزال قادراً على المطالبة بالقدر الكبير المتبقي له من الدعم في المجتمع الروسي.
ومع ذلك، فإن نظام القوة الشخصية الذي يتبعه دخل مرحلة من الأزمة الوجودية مع تعبير الطبقة الوسطى، التي كانت هادئة سابقاً، في موسكو وغيرها من المدن الرئيسية عن أن «الديمقراطية الموجهة» المتبعة حالياً لم تعد تخدم مصالحها.
وفقد بوتين طبقة التفلون التي كانت تحميه وسط انتقادات غير مسبوقة لحكمه من داخل روسيا. ويشير فوزه في الانتخابات إلى ضعف نظامه، لا قوته. حيث أجبر على العودة لأن النظام يعتمد اعتماداً كبيراً عليه كفرد. فما المرجح حدوثه الآن؟ يعلم بوتين أنه يحتاج إلى احتواء الإحباط المتفشي بين صفوف الطبقة الوسطى.
ويجري حالياً اتخاذ تدابير ترمي إلى إطلاق البخار، بما في ذلك مشاريع قوانين في البرلمان لخفض عتبة مشاركة الأحزاب السياسية في الانتخابات، والعودة إلى نظام الحكام المنتخبين. وقد أمر ميدفيديف بمراجعة مدى مشروعية إدانة ميخائيل خودوركوفسكي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «يوكوس» النفطية، بتهمة الاختلاس عام 2010.
ولم تكن هذه المبادرات لتحدث لولا جهود عشرات الألوف من المواطنين الروس، الذين خرجوا إلى الشوارع في ديسمبر وفبراير الماضيين، من أجل التأكيد على حقهم في أن يتم احتساب أصواتهم بشكل منصف.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرجح لبوتين أن يعلن عن سياسات إصلاحية جديدة لغرض إظهار أن القيادة الروسية ذات المظهر المتعب لم تنفد من الأفكار. ويمكن للخبير الاقتصادي الفذ أليكسي كودرين أن يعود إلى الحكومة في حال قرر بوتين، على سبيل المثال، عدم تعيين ميدفيديف رئيساً للوزراء. وذلك من شأنه أن يلقى ترحيباً من جانب العديد من رجال الأعمال في روسيا والغرب.
ومن الناحية النظرية، فإن بوتين لديه فرصة ممتازة للاستجابة للضغوط الممارسة من قبل ما يسمى بالطبقة الإبداعية، وتسوية مسألة حقوق الملكية. ويمكنه أيضاً أن يسمح لجيل ما بعد الاتحاد السوفييتي بتطوير أحزاب سياسية من شأنها حفز الطاقات الخلاقة في المجتمع وإنشاء مؤسسات سياسية كأساس للتحديث الحقيقي. وسيشكل ذلك بلا شك إرثاً مثيراً للإعجاب، وسيجعله أحد أعظم قادة روسيا.
وعلى الرغم من أن احتجاجات الشوارع آخذة في التراجع، فإن هذا لا يشكل بأي حال من الأحوال نهاية للضغوط القادمة من أسفل من أجل التغيير. ومنذ ديسمبر الماضي، ظهرت قوى معارضة جديدة. ومن شأن إجراء انتخابات تنافسية في المناطق من أجل اختيار عمد وحكام أن يعطي هؤلاء اللاعبين السياسيين الجدد فرصة هامة لتوحيد الصفوف وتحقيق النتائج المرجوة.
وفي نهاية المطاف، فإن الاقتصاد هو الذي سيحدد سرعة التغيير. ومع ارتفاع أسعار النفط، وانخفاض مستويات الدين العام، ونمو اقتصادي بنسبة 4%، فإنه من غير المرجح أن تواجه روسيا صعوبات قصيرة الأجل. ومع ذلك، فإن المشكلات طويلة المدى تتصاعد بسرعة، وربما تتجاوز قدرة النظام على السيطرة عليها. وهذه المشكلات تتضمن تقلص القوة العاملة، وانخفاض مستويات الاستثمار الرأسمالي، والحاجة الملحة إلى رفع إنتاجية العمل، وتقليل التعرض لأسعار النفط. ويمكن لركود مطول في منطقة اليورو أن يساهم بسهولة في خفض أسعار النفط، وزعزعة النظام حتى النخاع.