في كل من إسطنبول وأنقرة، تساهم مباني الشقق السكنية الشاهقة وأبراج المكاتب في تغيير المشهد. ومع معدلات النمو الاقتصادي الأخيرة، التي تتجاوز تلك التي سجلتها العديد من البلدان الأوروبية، فإن تركيا غالباً ما تعتبر قصة نجاح في منطقة تسودها الاضطرابات.

ومع ذلك، فإن الديمقراطية في تركيا لا تزال بعيدة كل البعد عن ضمان الحقوق والحريات لسكان متنوعين ومستقطبين. ونقاط الضعف هذه تحتاج إلى تصحيح، بدءاً من وضع دستور جديد. والأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة.

ويشغل رجب طيب أردوغان منصب رئيس وزراء تركيا منذ تسع سنوات. ويستحق هو وحزبه، حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية، الثناء لمساهمتهما في قمع سلطة الجيش المعرض للانقلاب، وتعزيز التسامح مع فئات كانت إما مهملة أو معارضة في وقت من الأوقات.

وينسب مؤيدو أردوغان إليه الفضل في رفع مكانة تركيا في الشرق الأوسط، وذلك من خلال تحويله البلاد إلى لاعب إقليمي أكثر حزماً، في الوقت الذي يواجه العديد من جيرانها صراعات عنيفة في بعض الأحيان من أجل الديمقراطية.

وساهم أردوغان كذلك في دفع البلاد قدماً نحو عضوية الاتحاد الأوروبي. وقد حقق حزبه نمواً اقتصادياً قوياً بنسبة 8.9%، على الرغم من أن نسبة البطالة لا تزال مرتفعة بشكل عنيد عند نحو 12%، وأن توزيع الدخل لا يزال متفاوتاً.

ومع ذلك، فإن الدستور العسكري الذي صدر عام 1982، والذي يرفع من شأن أمن الدولة على حساب الحقوق الفردية يبقى دون تغيير. ولا تزال الحكومة التركية في حالة حرب مع الانفصاليين الأكراد. ويجيز النظام القضائي الاحتجاز لأجل غير مسمى دون أي اتهامات رسمية. ويبلغ متوسط عدد السنوات التي يمضيها الشعب التركي في المؤسسات التعليمية 6.5 سنوات.

وعمد البرلمان التركي أخيراً إلى تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد، ويتوقع صدور مشروع دستور بحلول يونيو المقبل. ويتعين على اللجنة أن تتبع عملية شفافة، متجاهلة الوثيقة السلطوية القديمة التي تستند إلى نزعة أتاتورك القومية، وأن تبدأ من جديد.

وينبغي للدستور الجديد أن يفرض السيطرة المدنية على الجيش، وأن يحمي الحقوق الفردية وحرية التعبير والدين والصحافة. وينبغي له أيضاً أن يعيد تعريف المواطنة حتى لا تشمل الأتراك فحسب، وإنما الأكراد والجماعات العرقية الأخرى كذلك، وذلك في سبيل الحيلولة دون تعرضها للظلم. ويعرف الدستور الحالي المواطن بــ «التركي».

وهناك العديد من القضايا التي تحتاج إلى معالجة إلى جانب قضية وضع دستور جديد. إذ لا يزال الأتراك منقسمين بشدة فيما يتعلق بدور الدين في المجتمع. ويعاني النظام التعليمي من مواطن ضعف كثيرة. والإصلاحات القضائية التي أقرها أردوغان لم تكن كافية. وتعرف الحكومة التركية الإرهاب على نطاق واسع جداً، وغالباً ما تستخدم ذلك كذريعة لاعتقال واحتجاز الأكراد وغيرهم ممن ينقدونها.

ويمكن لأردوغان أن يطالب عن حق بدور قيادي في منطقة الشرق الأوسط. ولكنه سيحظى بقدر أكبر من المصداقية لو عمل على تعزيز ديمقراطيته الخاصة.